للشرع نور وللألباب ميزان * والشرع للعقل تأييد وسلطان
والكشف نور ولكن ليس تدركه * إلا عقول لها في الوزن رجحان
واعلم يا أخي أن العقول بأسرها ، الملكية والبشرية ، بل العقل الأول الذي هو أول موجود من عالم التدوين والتسطير ، قد علمت قصورها وجهلها بحقيقة ذات باريها ، وأنها ما تعرف من هذه الذات المنزهة ، إلا قدر ما يطلب العالم منها من المناسبة ، وتلك صفات الإله ، فما عرفت سوى المرتبة ، فاشتركت العقول البليغة والقاصرة في هذا الجهل والقصور ، وما عدا هذه المعرفة فهو العلم بما سوى اللّه ، والعلم بما سوى اللّه لا حاجة لنا به ، أعني الحاجة المهمة التي بحصولها يكون كمال النفس ، فإن الصفة النفسية التي لهذه الذات المنزهة ، من المحال أن تكون سوى واحدة ، وهي عين الذات ، وتعيينها من حيث الإثبات محال ، فالعلم بها محال ، فإنها ذات لا تقبل التركيب ، فتعالت عن الفصول المقومة لها .
فإذا كان الأمر على ما ذكرناه ، فلم يبق إلا التهيؤ لما يكون منه ، من حيث الوهب الإلهي ، فإن القوى لا تعطي إلا ما فيها ، وجميع ما فيها تابع لها في الخلق ، فمحال أن تعلم موجدها علمه بنفسه ، فإذا هيأت المحل للتجلي الإلهي ، فهو أكمل ما يحصل من العلم « 1 » ، وهو علم عقول الملائكة والأنبياء والخواص من عباد اللّه ، من المجردين والهياكل النورانية ، فلا تتعب خاطرك في التفكر في العلم باللّه ، قال اللّه :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
« 2 » وقال عليه السلام : « لا تتفكروا في ذات اللّه » فالشغل بما لا يوصل إليه تتضيع لما يستحقه الوقت .
واعلم يا أخي أنه ما انتقش من العلم الإلهي في العالم ، إلا قدر ما هو العالم عليه إلى يوم القيامة ، علوا وهو قوله تعالى :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
، وسفلا وهو قوله تعالى حين ذكر الأرض :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
فإذا صفت النفس ، وصقلت مرآتها ، فلا تقابل بها العالم ليحصل فيها ، وينتقش فيها ما في العالم بأسره ، فإنه لا فائدة فيه ، ولكن قابل به الحضرة الذاتية - من حيث ما تعلم نفسها - مقابلة افتقار
هامش
( 1 ) راجع ف ح 1 / 31 ، 261 - ح 2 / 389 - ح 4 / 80 .
( 2 ) راجع ف ح 1 / 166 .