فليرقب نفسه مع صاحبه ، فإن وجد عند مغيبه وحشة إليه ، فليتخل عن صحبته ، فإن الحق سبحانه لا يتجلى لقلب له أنس بغيره ، لا مع الطائعين ولا من غيرهم ، ولولا أن الشيخ له طبيب ، ووجود العلة الذي فيها هلاك المريد عنده ، لم يجز له أن يجلس معه ، ولكن يجلس معه لا على وجه الأنس به ، ولكن على وجه تعليم الأدب ، فإن الطالب إذا تعلق أنسه بالشيخ طال عليه الطريق ، وصعب على الشيخ طبّه ، وتعذر عليه ، واستبطأ البرء من علته ، وذلك لأنسه به ، وغرض الشيخ من التلميذ أن يجده في كل وقت معمور القلب بالذكر ، حتى إذا ألقى عليه ما يؤديه إلى مجالسة أحد ، في فعله ، زمانا واحدا يراه يتألم ، فيعرف الشيخ أن المريد قد فتح عليه واعتني به ، وليكن معاشرته بالإيثار والفتوة ، وسخاوة النفس وترك طلب الحقوق منهم ، ويرى الفضل لهم ، ولا يرى لنفسه حقا عندهم ، فكيف فضلا عليهم ، ولهذه العلة أمرنا المريد بترك الصحبة ، فإن للصحبة حقوقا يجب عليه أداؤها ، تشغله عن أداء حقوق اللّه تعالى في قلبه ، وهو ضعيف ، فالعزلة والفرار أولي ، فإن الصحبة من شيم المتمكنين الأكابر ، وكن معهم على نفسك إن ذموك ، فأنت للذم أهل ، وإن حمدوك فأوصافهم تكلمت عنهم ، وستر اللّه عليهم أمرك ، ولو كشفه لهم رأوه عورة ، فلا تفرح بحمدهم وثنائهم عليك .
فصل في السعي إلى المساجد
وينبغي للمريد أن لا يكثر الحركة فإنها مفرقة ، ولهذا منعناه من السفر لئلا يشوش حاله ، إلا في طلب شيخ يرشده ، فإذا خرج إلى المساجد ، أو إلى ضرورة ، فلا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وليجعل بصره حيث يجعل قدميه ، مخافة النظرة الأولى ، ويكون مشتغلا بالذكر في مشيه ، ويرد السلام على من سلم عليه ، ولا يقف مع أحد ، ولا يقل لأحد كيف حالك ؟ وليحذر من هذا ، فإنه صعب عندنا ، ويزيل من طريقه كل ما يجده من أذى من حجر أو شوك أو عذرة ، ولا يجد رقعة في الأرض إلا يرفعها في كوة ولا يتركها تدرس بالأرجل ، ويرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويحمل عن المثقل ، هذا كله واجب عليه ، وإذا سلّم فليسلم على كل عبد صالح للّه في الأرض والسماء ، من ذلك المقام يردّ عليه . وإياك والسعي في مشيك ، ولكن بالتأني من غير عجب ، فإنه