إليه ، فإذا رأيت إنسانا وتوسمت فيه أنه قد جاءك بشيء ، أو سمعت حركته ولم تره ، فقالت لك النفس : هذا فتح من اللّه ، فدخل عليك ذلك بذلك الفتح ، فلا تقبله ورده عليه ، فإن أتاك باستشراف ، ولتعلقها بالرزق حتى كوشفت عليها ، فأين اللّه منها في ذلك الوقت ؟ فلا تقبله ولو كنت على الهلاك ، فإذا أتاك الشيء من غير استشراف ، وحصل بين يديك ، فانظر على الفور ما تجد في نفسك في أول خاطر عند رؤية ذلك الفتوح ، فإن وجدت في نفسك انقباضا منه فرده عليه ، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وإن لم تجد انقباضا ووجدت شرحا ، فإن صاحبه شره فرده ولا تقبله ، وإن لم يصحبه شره فحينئذ فخذ منه قدر ما تحتاج إليه في ذلك الوقت ، ورد عليه ما بقي ، ولا تقعد في ذلك الموضع ، وارحل عنه ، إن كان المصر كبيرا جدا إلى موضع آخر ، ولا ترد المواضع التي جرت العادة بإتيان الفتوح إليها ، كالربط والمساجد وما أشبه ذلك ، وهذا كله حتى يتقوى يقينك ، وإن لم تفعل هذا وإلا فقد خنت نفسك ؛ ولا تسمع من صوفي نطق من مقامه فقال : لا أرى غير ربي ، ما قالها حتى قاسى ما ذكرته لك وحينئذ ، وأما أن يفعل ذلك ابتداء فشغل البطالين .
فصل في الصحبة
والصحبة أشر شيء على المريد ، فإن الطريق مبني على قطع المألوفات ، وترك المستحسنات ، ولما كانت الصحبة تؤدي إلى الألفة والأنس ، وتغيير المحل بوجود الألم عند وقوع المفارقة ، لهذا كرهناها ، ولهذا تقول المشيخة « من وجد الأنس في الخلوة ، والوحشة في الملأ ، فأنسه بالخلوة لا باللّه » وإنما التبس عليه ، فالأولى بالمريد الاعتزال عن الصحبة جملة ، ولتكن همته في طلب الشيخ ، فإن وجد الشيخ فلا يلحظ غيره ، ولا يصاحب إخوته من تلامذة الشيخ ، ولا يجالسهم إلا إن أمره الشيخ بذلك ، فينبغي للمريد أن يكون مع الخلق مع جنسه وغيره كالوحش يفر ، يطلب بذلك الأنس باللّه ، ويكثر الذكر ويستهتر فيه « 1 » ، ولا يبايت أحدا ولا يجالسه ، فإن اضطر إلى الصحبة
هامش
( 1 ) الاستهتار بالذكر ، هو أن لا يزال العبد مواظبا على الذكر مع الأنفاس ، فلا يخرج منه نفس في يقظة ولا نوم إلا به ، فيكون صاحب هجير .