تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطريق إلى الله تعالى ( الشيخ والمريد ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وإن سافر شيخك وتركك في موضعك ، فلازم الموضع الذي كان يقعد فيه بالسلام عليه في كل يوم ، في الأوقات التي كنت تأتي إليه فيها ، كأنه ما غاب ، وارع من حرمته في غيبته رعايتك في حضوره ، وإذا رأيته يريد الخروج إلى موضع فلا تقل له في ذلك إلى أين ؟ وتدخل عليه رأيا في أفعاله ، وإن شاورك فرد الأمر إليه ، فإن مشاورته إياك ليست من افتقاره إلى رأيك ، وإنما شاورك تحببا لك وسياسة ، وإذا رأيته يلازم موضعا فلا تقل له في ذلك ، ولا تحدث نفسك أن تلك عادة منه ، وإذا انتقل من موضع كان يلزمه فلا تذكّره به ، ولا تتأول عليه كلامه ، فيما يأمرك أو يحدثك به ، وقف عند ظاهر ما تسمع ، وافعله إذا أمرك ، وإن تيقنت أنه خطأ فامض لما أمرك ، ولا تعرج على تأويل فيه ، وإن تأولت أمره وأصبت فهو خطأ ، كما أنك إذا لم تتأول وفعلته كما أمرك ، وكان ذلك الأمر خطأ فقد أصبت ، فإن الهداية في الطريق عندنا في حق المريد مع الشيخ ، والشيخ مع اللّه ، ليس هي في إصابة التأويل في الأمر بوجه العلم الصحيح ، وإنما الهداية في امتثال الأمر ، من غير تأويل البتة ، وسره عندنا بيّن ظاهر في الحضرة الإلهية ، ومتى ما تأولت على الشيخ ما أمرك به ، أو تقول له : تخيلت أنك أردت كذا ، فاعلم أنك في إدبار ، فإنك على نفسك ، فما أتي على أكثر المريدين إلا من التأويل ، فإن التأويل حظ النفس ، والعقل ظاهري لا يقيني ، ولا تتأول على أمره ، بل الأمر كله على الوجوب « 1 » ، فهو يبادر إليه إذا خوطب به ، ولا تصلّ في موضع تستدبر فيه شيخك إن كان حاضرا ، واجمع بين الأدبين ، ولا تفش له حديثا إلا بأمره ، ولا تقف له على أكل ولا نوم ولا حالة من أحوال العادة ، فإنه أنفع لك إلا إن دعاك إلى ذلك ، وصورة دعائه لك في ذلك أن لا تتعرض إليه بمشورة ، مثل أن نقول له : يا سيدنا تأمرني أن آكل معك ، أو تأمرني أن أنام معك في بيت واحد أو أنصرف ، فإني أخاف أن يقول لك : افعل ، كل معي أو نم معي ، وهذا غاية الإبعاد
هامش
( 1 ) أوامر الشرع كلها محمولة على الوجوب ، ونواهيه محمولة على الحظر ، ما لم يقترن بالأمر قرينة حال تخرجه عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة ، وكذلك النهي إن اقترنت به قرينة تخرجه من الحظر إلى الكراهة ، فالتكليف مقسم بين أمر ونهي ، وهما محمولان على الوجوب ، حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال . ف ح 2 / 164 - ح 1 / 231 - راجع كتابنا الفقه عند الشيخ الأكبر ص 74 .