فمن رأى الماء للنيران مقترنا * تمازجا وهما في الأصل ضدان
حديث أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه مع الصحابة وما قالوا له حين حدّث نفسه بغزو الروم
روينا من حديث الرملي قال : نبأ الحسن بن زيد الرملي ، نبأ محمد بن عبد اللّه الأزدي البصري ، قال : لما دوح اللّه العرب ، وانتهت الفتوح من كل وجه إلى أبي بكر ، واطمأنت العرب بالإسلام ، وأذعنت به ، واجتمعت عليه ، حدّث أبو بكر نفسه بغزو الروم ، فأسرّ ذلك في نفسه ، فلم يطلع عليه أحدا . فبينما هو في ذلك إذ جاءه شرحبيل ابن حسنة فقال : يا خليفة رسول اللّه ، أتحدّث نفسك أن تبعث إلى الشام جندا ؟ فقال : نعم ، قد حدّثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحدا ، وما سألتني عنه إلا لشيء عندك . فقال : أجل ، إني رأيت فيما يرى النائم كأنك في ناس من المسلمين فوق جبل ، فأقبلت تمشي معهم حتى صعدت على قبّة عالية على الجبل ، فأشرفت على أناس ، ومعك أصحابك أولئك ، ثم هبطت من تلك القبة إلى أرض سهل دمثة ، فيها القرى والعيون والزرع والحصون ، فقلت :
يا معشر المسلمين ، شنّوا الغارات على المشركين ، فأنا ضامن لكم الفتح والغنيمة . وأنا فيهم ، ومعي راية ، فتوجهت إلى قرية فدخلتها ، فسألوني الأمان ، فأمّنتهم ، ثم جئت فوجدتك قد انتهيت إلى حصن عظيم ، ففتح لك ، وألقوا إليك السلم ، وجعل لك عرش ، فجلست عليه ثم قال لك قائل : قاتل يفتح اللّه لك وتنصر ، فاشكر ربك ، واعمل بطاعته ، ثم قرأ عليك :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
قال : ثم انتبهت .
قال أبو بكر : نامت عينك . ثم دمعت عينا أبي بكر رضي اللّه عنه . فقال : إنما الجبل الذي رأيتنا نمشي عليه حتى صعدنا منه إلى القبة العالية فأشرفنا على الناس ، فإنّا نكابد من أمر هذا الجند مشقّة ويكابدونا ، ثم يعلو بعد ويعلو أمرنا ، وإن نزولنا من القبّة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزروع والحصون والعيون والقرى ، فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش . وأما قولي : شنّوا عليهم الغارة فإني ضامن لكم بالفتح والغنيمة ، فإن ذلك توجّهي للمسلمين إلى بلاد المشركين وأمري إياهم بالجهاد في سبيل اللّه . وأما الراية التي كانت معك فتوجّهت بها إلى قرية من قراهم فدخلتها ، فاستأمنوك فأمّنتهم ، فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح اللّه على يديك . وأما الحصن الذي فتح اللّه على يديّ فهو ذلك ، يفتح اللّه على يدي . وأما العرش الذي رأيتني جالسا عليه ، يرفعني