تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
بين أئمة المسلمين من أخسر الناس أعمالا ، ولا يكون شكرك لما أنعم اللّه به عليك من استواء ملكك بكفران النعم ، واستظهار المعاصي ، وتسليط نواب السوء على الرعية الضعيفة ، فيحتكمون فيهم بالجهالة والأغراض ، وأنت المسؤول عن ذلك . فيا هذا ، قد أحسن اللّه إليك وخلع النيابة عليك ، فأنت نائب اللّه في خلقه ، وظله الممدود في أرضه ، فانصف المظلوم من الظالم ، ولا يغرنك أن وسّع اللّه عليك سلطانك ، وسوّى لك البلاد ووطّاها ، مع إقامتك على المخالفات والجور وتعدّي الحدود ، فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه الصفات إمهال من الحق لا إهمال ، وما بينك وبين أن تقف على أعمالك إلا بلوغ الأجل المسمى ، وتصل إلى الدار التي سافر إليها آباؤك وأجدادك ، فلا تكن من النادمين ، فإن الندم في ذلك الوقت غير نافع . يا هذا ، ومن أشد ما يمر على الإسلام والمسلمين ، وقليل ما هم ، رفع النواقيس ، والتظاهر بالكفر ، وإعلاء كلمته ببلادك ، ورفع الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين وإمام المتقين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على أهل الذمة ، من أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها كنيسة ، ولا ديرا ، ولا قلة ، ولا صومعة راهب ، ولا يجددوا ما خرب ، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزل بها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعموهم ، ولا يأووا جاسوسا ، ولا يكتموا غشا للمسلمين ، ولا يعلموا أولادهم القرآن ، ولا يظهروا شركا ، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه ، وأن يوقروا المسلمين ، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ، ولا يتشبّهوا بالمسلمين ، في شيء من لباسهم في قلنسوة ، ولا عمامة ، ولا نعلين ، ولا فرق شعر ، ولا يتسمّوا بأسماء المسلمين ، ولا يتكنوا بكناهم ، ولا يركبوا سرجا ، ولا يتقلدوا سيفا ، ولا يتخذوا شيئا من السلاح ، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ، ولا يبيعوا الخمور ، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم ، وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا ، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ، ولا يظهروا صليبا ، ولا شيئا من كتبهم في طرق المسلمين ، ولا يجاوروا موتى المسلمين بموتاهم ، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا ، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين ، ولا يخرجوا شعانين ، ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ، ولا يظهروا النيران معهم ، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين . فإن خالفوا في شيء مما شرط فلا ذمة لهم ، وقد حل للمسلمين ما يحل من أهل المعاندة والشقاق . فهذا كتاب الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 311 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي