قرأت على حجر ببيت المقدس : رأس الغنى القنوع ، ورأس الفقر الخضوع . وقرأت على حجر بدمشق : كلّم من شئت فأنت نظيره ، واستغن عمّن شئت فأنت أميره ، واخضع لمن شئت فأنت أسيره . قال : وقرأت على حجر عند جبّ : كل من أحوجك الدهر إليه فتعرّضت له هنت عليه . قال ابن ثابت : وأخبرني محمد بن الفرج ، عن جعفر الخلدي قال :
أنشدني أحمد بن مسروق شعرا :
إن كنت توقن أن ربّك رازق * وسألت مخلوقا فلست بموقن
أو كنت في شكّ من الرزق الذي * كفل الإله به فلست بمؤمن
ومن باب النسيب
ما قاله خالد بن يزيد فيما يقع بين العين والفؤاد من العناد :
القلب يحسد عيني لذّة النظر * والعين تحسد قلبي لذة الفكر
يقول قلبي لعيني كلما نظرت * كم تنظرين رماك اللّه بالسهر
العين تورثه هما فتشغله * والقلب بالدمع ينهاها عن النظر
هذان خصمان لا أرضى بحكمهما * فاحكم فديتك بين القلب والبصر
ولنا في الحكم بينهما إجابة لهذا السائل الأديب بما هو الأمر عليه :
ذكرت يا أيها المفتون بالحور * وبالنسيب وما في الحب من سير
بين الفؤاد وبين السمع والبصر * وقائع لم تزل في سالف العصر
وطالما يبحثون الدهر عن حكم * ندب خبير بما يعطيه من أثر
فاسمع هديت صواب الحكم من حكم * عدل عليم بعين الأمر والخبر
إني لأحكم بين القلب والبصر * حكما تؤيّده أدلّة النظر
نعيم أهل الهوى وقف على النظر * والسمع واللثم والتعنيق والوطر
لا يدرك الحسن الحسنيّ طالبه * ما لم يقم شاهد من حاسد النظر
وهكذا كل ما للحسن مدركه * لا يستقل به عقل من البشر
فالقلب يحمل ما يعطيه من ألم * ومن نعيم وخير عالم الصّور
له النعيم كما أن العذاب له * والحسن آلته للنفع والضرر
وبعد أن أثبت العلم اليقين لكم * فلا تخاصم بين القلب والبصر
وإنما تلك أحوال يقول بها * أهل الهوى لم تكن نتائج الفكر