تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
صفاته وذاته ، فني بمولاه عن تربه ونفسه ، بما أولاه عن تربه ونفسه ، بما أولاه من قربه وأنسه ، عرض عرضه على الخلق ، وجاهر بجوهره لدى الحق ، حتى صار بين الأتراب من عالم التراب ، ومن أولي الألباب عند رب الأرباب ، بقي صورة في الفناء ، ومعنى في عالم الفناء ، فعين السعادة لم تزل تلاحظه من قبل الأزل ، فهو في عالم الصور معنا ، وفي عالم الأرواح يشاهد المعنى ، فلما أفناه موجده عن وجوده ، بما حباه من تطوله وجوده ، تحيط جوهر روحانيته ، في عرض إنسانيته ، وطمعت في الخلاص الأرواح ، من حصر أقفاص الأشباح ، هتفت بها هواتف الأقدار بالعشيّ والإبكار ، هذا يقرأ عليها :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
، وهذا يتلو عليها :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ *
فحينئذ هدرت بلابل بلبالها ، وغرّدت قماري أقمار أحوالها ، وأنشدت لسان حالها :
يا حسرتي كيف ألقاهم ولي جسد * ولي فؤاد ولي سمع ولي بصر مادا أقول إذا قالوا فديتهم * أين التحول وأين الدمع والسهر إذا اعتذرت أجابتني محاسنهم * ما لامرئ لم يمت في حبنا عذر

مبشرة خير تدل على فتح ونصر

رأينا ونحن بسيواس في شهر رمضان ، والسلطان الغالب في ذلك الزمان يحاصر أنطاكية . فرأيت كأنه نصب عليها المجانيق ، ورماها بالأحجار ، فقتل زعيم القوم ، فأولت الأحجار آراؤه السعيدة ، وعزائمه التي يرميهم بها ، وإنه فاتحها إن شاء اللّه تعالى . فكان كما رأيت بحمد اللّه ، وفتحها يوم عيد الفطر ، وكان بين الرؤيا والفتح عشرون يوما ، وذلك سنة اثني عشر وستمائة ، فكتبت إليه من ملطية قبل فتحه إياها بأبيات أذكر فيها رؤياي ، وأذكر فيها ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين رأى في النوم جبريل عليه السلام ، وقد جاءه بعائشة أم المؤمنين ، قبل أن يتزوج بها ، في سرفة حرير ، فقال له : هذه زوجتك ، فلما استيقظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكرها قال : « إن كان من عند اللّه سيمضيه » . فقلنا : نحن كذلك أدبا واقتداء . فكان من عند اللّه ، وفتح اللّه على السلطان بها كما كان زواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعائشة . وكانت الأبيات لروميات اتفاقا وهي :
قصدت بلاد الكفر تبغي فتوحها * فأبشر فإن الروم فيك لفي خسر رأيت لكم رؤيا تدلّ على النصر * وفتح بلاد الكفر والقتل والأسر قتلتم بأحجار المجانيق كبشهم * فأوّلها الآراء تعضد بالنصر