كنز ، والصمت فوز . الثقة مال المؤمن ، والرحمة من اللّه حظ المحسن . فمن وثق باللّه أغناه ، ومن أحسن إلى خلقه نجّاه . إن الدنيا لا تصفو لشارب ، ولا تفي لصاحب ، ولا تخلو من فتنة ، ولا تخلى من محنة . فاعرض عنها قبل أن تعرض عنك ، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك ، فإن نعيمها ينتقل ، وأحوالها وثمرتها تضمحل . من أطاع اللّه عز وجل ارتفع ، ومن عصاه ذلّ فاتّضع من أطاع اللّه ملك ، ومن أطاع هواه هلك . كم من جامع لمن لا يشكوه ، ومنفق فيمن لا يسرّه . من تمام العلم استعماله ، ومن تمام العمل استقباله ، فمن استعمله عمله لم يخل من رشاد ، ومن استعمله علمه لم يقصر عن مراد . ثمرة العلم أن تعمل به ، وثمرة العمل أن تؤجر عليه . كل عزّ لا يوطده دين مذلة ، وكل علم لا يؤيده عقل مظلة . ذل من ليس له ظالم يعضده ، وضلّ من ليس له عالم يرشده . الزهد بصحة اليقين ، وصحة اليقين بصحة الدين ، فمن صحّ يقينه زهد في الثراء ، ومن قوي دينه أيقن بالجزاء .
وصية من شيخ ناصح لتلميذ قابل
روينا من حديث ابن ثابت قال : انا عبد الرحمن بن محمد بن فضالة النيسابوري ، انا محمد بن عبد اللّه بن شادان قال : سمعت يوسف بن الحسين يقول : قلت لذي النون في وقت مفارقتي له من المجلس : من أجالس ؟ فقال : عليك بمجالسة من يذكّرك اللّه رؤيته ، وتقع هيبته على باطنك ، ويزيد في عملك منطقه ، ويزهدك في الدنيا علمه ، ولا تعصي اللّه ما دمت قربه ، يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان قوله .
ومن هذا الباب ما حدثنا المروزي ، عن الخشّاب ، نبأ عبد اللّه ابن الأستاذ قال :
دخل رجل من أصحابنا على أبي العباس الخشاب الزاهد ، فسلم عليه وقال له : يا أبا العباس ، أريد أن أقرأ عليك مما في هذا الكتاب ، لكتاب كان بيده ، ففتح ، فقرأ عليه من باب الورع والزهد والتوكل ، والخشاب ساكت . فقال الرجل : يا أبا العباس ، إنما قرأ عليك هذه الأبواب لتتكلم عليها . فقال له الخشاب : أقرأني فإني أنا ذلك الكتاب . فخرج الرجل من عنده ، ودخل إلى الشيخ أبي مدين ، وهو إذ ذاك بمدينة فاس ، فقال : يا أبا مدين ، اتفق لي مع الخشاب كيت وكيت ، فقال أبو مدين : صدق الخشاب ، هل قرأت عليه بابا ليس هو حاله ؟ فإذا كان حاله لا تفهمه ولا يؤثر فيك ، فكيف قوله ؟ فاتعظ الرجل .
أخبرني عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي ، عن كشف أبي العباس الخشاب ، قال : خطر لأبي مدين طلاق زوجته ، واستخار اللّه ، ثم رأى أن يستأذن في ذلك أبا العباس الخشاب ، فإنه كانت له حالة تعليم من اللّه ، فوافق هذا الخاطر دخول الخشاب على أبي مدين ، فقبل