وقال آخر : يحنّ اللبيب إلى وطنه كما يحنّ النجيب إلى عطنه .
وقال بعضهم : كما أن لحاضنتك حقّ لبنها ، فكذلك لأرضك حرمة وطنها .
وشبّهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم ، ثكل أباه وأمه ، فلا أم ترامه ، ولا أب يحرب عليه .
وفي المثل : أوضح من مرآة الغريب .
قالت الحكماء : أكرم الخيل أجزعها من السوط ، وأكيس الصبيان أشدّهم بغضا للكتاب ، وأكرم الإبل أشدهم حنينا إلى أوطانها ، وأكرم المهارى أشدها ملازمة لأمهاتها ، وخير الناس آلفهم للناس .
وقال بعض الشعراء في الوطن :
ألا ليت شعري والحوادث جمة * متى تجمع الأيام ما فرّق الشملا
وكل غريب سوف يمسي بذلّة * إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا
وأنشدنا أبو بكر بن سكر قال : كان المازني ينشد لعروة :
اقرأ على الوشل السلام وقل له * كل المشارب مذ هجرت ذميم
جبل ينيف على البلاد إذا بدا * بين الغدائر والزمان مقيم
لو كنت أملك منع ما بك لم يذق * ما في قلاتك ما حييت لئيم
وأنشدنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الوزعي بمسجد ابن عتّاب بقرطبة لمجنون بني عامر :
إلى عامر أصبو وما أرض عامر * هي الرملة الوعساء والبلد الرحب
معاشر بيض لو وردت بلادهم * وردت بحورا للندى ماؤها عذب
إلى ما بدت للناظرين خيامهم * فثمّ العتاق القبّ والأسل القضب
وأنشدنا أبو الحسن علي بن خروف بمنزلي لامرأة من عقيل :
خليليّ من سكان ماوان هاجني * هبوب جنوب مرّها وانتسامها
فإن تسألاني ما ورائي فإنني * بمنزلة أعيا الطبيب سقامها
وأنشدنا :
أقول لقوم ألف الدهر بينهم * وبيني والأيام تحوي وتفرق
فإني وإن أحمدت عقد وصالكم * ففي غير مثوى أرضكم أتشرّق
سقى اللّه قومي كل يوم وليلة * عوارض مزن صوبها يتدفق