تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
الروم ؟ قال : قوم سوء وقلوبهم خائفة ، فإذا صدقوا هربوا . ولقد قتلنا منهم مقتلة عظيمة . فالحمد للّه على ذلك كثيرا . قال عمر : غفر اللّه لك . ثم وجّه سراقة بن عبد الرحمن أميرا على الثغور ، وأمره أن يبلغ العمورية ، فإذا بلغها لا يجوز إلى غيرها . وأقام مسلمة عند عمر بدمشق .

تأديب عمر بن عبد العزيز مسلمة بن عبد الملك

وبالإسناد قال مقاتل : ثم إن عمر بلغه أن مسلمة ينفق على مائدته ألف درهم في كل يوم . وكان عمر يطعم السّؤال من غلته ألف سائل في كل يوم ، يطعمهم ثلاثة ألوان وشواء . وكان يأكل هو يوما لحما ، ويوما خلا وزيتا ، ويوما عدسا . وكان قد سيّر الدنيا ثلاثة أيام : يوما للقضاء ، ويوما لأهله ، ويوما لحوائج الناس ، والليل للعبادة . فكان إذا جنّه الليل لبس جبّة صوف ، وجعل الغلّ في عنقه والقيد في رجله ، ونادى : يا رب ، هذا عذاب الدنيا ، فكيف عذاب الآخرة ؟ ثم بعث إلى مسلمة يأمره أن يتغذى عنده ، فأتاه ، فأمر عمر بجفان السّؤال أن تهيّأ ، وهيأ له طعاما ، وأمر أن يحبس الطعام وأن يقدّم العدس . فلما أبطأ عليهم الطعام ، وجاع مسلمة جوعا شديدا ، قال عمر : ويحك يا مقاتل ، إن أبا سعيد لا يصبر على الجوع ، فائتنا بما عندك . فأتاه بعدس ، فأكل أكلا منكرا حتى شبع ، ثم أتي بالطعام . فقال عمر : كل يا أبا سعيد . فقال : قد اكتفيت . قال عمر : يا أبا سعيد ، تكفيك أكلة بدانقين ، وأنت تنفق على مائدتك ألف درهم كل يوم ؟ فقال مسلمة : أعطني عهد اللّه أن لا أعود إلى مثل ذلك ، فرجع عنه .

ومن أخبار عمر بن عبد العزيز

وبالإسناد قال مقاتل : رأيت قوما من العبّاد وقد أتوا محمد بن عمر بن عبد العزيز ، فسألوه عن عمل أبيه ، فقال : ما أذكر أني رأيته ، ولكني أدخل على أمي فاطمة ابنة عبد الملك بن مروان ، فأسألها عن هذا إن شاء اللّه تعالى . فدخل عليها ، فقال : يا أمّه ما صنع أبي ؟ فإن الناس قد لجّوا عليّ في ذلك ، فقالت فاطمة ابنة عبد الملك : يا بني ، لا تريد أن تعلم ؟ قال لها : فإنهم لا يدعوني حتى أخبرهم . قالت : نعم ، قل لهم : إن أبي كان من أعظم قريش ، وأرفههم مركبا ، وألينهم ثوبا ، وأطيبهم طعاما ، قبل أن يلي الخلافة ، فلما ولّي الخلافة لبس الكرابيس والصوف ، وربما ادّهن بزيت العلة ، تعني زيت الماء ، ولا رفع ثوبا يدّخره ، ولا اتخذ أمة منذ ولّي إلى يوم مات ، فهذه كانت حالته .
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 277 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي