سنة والسنة كثير ، لعلّي لا أعيش فيها ، فقلتها في يوم عدد أيام السنة ، فرأيت خيرا . قال الحوسي : فقلت : سنة والسنة كثير ، لعلّي لا أعيش فيها ، فقلت في يوم عدد أيام السنة ، فرأيت خيرا . قال محمد بن عمرو : فقلتها ثلاثة أيام أو أربعة ، كل يوم مائة مرة ، فكان الرجل يلقاني فيقول : رأيت لك كذا وكذا أظنه من ذلك . قلت : وقلتها أنا في ليلة فرأيت خيرا ، وقلتا وقالها صاحبي عبد اللّه الحبشي ، فرأى أو رؤي له خيرا .
ومن باب حب الوطن
ما قالت العجم اللسن :
من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة ، وإلى مسقط رأسها توّاقة .
وقال الحكيم : فطرة الرجل معجونة بحب الوطن ، ولذلك قال أبقراط : يداوى كل عليل بعقاقير أرضه ، فإن الطبيعة تقطع بهواها ، وتفزع إلى غذاها . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو قنع الناس بأرزاقهم قنوعهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزّاق . والذي يؤيد ما ذكرناه من حب الوطن قول اللّه عز وجل حين ذكر الديار ، فخبر عن مواقعها من قلوب عباده .
فقال تعالى :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
، فسوّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم .
وقال تعالى :
وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
.
وقيل : لولا حبّ الناس الأوطان لخرب البلدان .
وقيل : من أمارات العاقل برّه لإخوانه ، وحنينه إلى أوطانه ، ومداراته لأهل زمانه .
كما قيل : ( ودارهم فاللّبيب من دارى ) .
قالت العرب : حماك أحمى لك ، وأهلك أحفى لك .
حكمة
الغربة كربة ، والقلّة ذلّة .
وقال القائف : إذا أحسّت النفس بمولدها تفتحت مسامّها ، فعرفت النسيم ، وأكثرت الشميم .