في ثلاثين ألفا ، فدخلناها . وقد مات رجاء بن حيوة قبل ذلك بعشرة أيام ، فبلغ ذلك مسلمة فغمّه غما شديدا . وأقام بباب دمشق ، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز فلم يأذن له في الدخول إلى المدينة ثلاثة أيام ، حتى طلب إليه جميع بني أمية . فأذن له ، فدخل ، فمضى ومضينا معه إلى منزل عمر بن عبد العزيز بالخيل والناس وهبة السفر . فلم يأذن له ، فرجع إلى منزله ، فلما كان من الغد ، وركبنا معه ألف رجل من القواد ، فلم يأذن له فرجع ، وركب إليه من الغد في أهل بيته ومواليه ، فلم يأذن له . وركب إليه من الغد في إخوانه وبني عمه ، فلم يأذن له . فرجع ومضى إليه من الغد وحده راكبا ، فلم يأذن له . فرجع ومضى إليه من الغد راجلا ، فأذن له ، وعنده وجوه قريش ، ورؤساء أهل الشام . فسلّم عليه بالخلافة فرد عليه ردا ضعيفا ، ولم يأذن له بالقعود ساعة . فبكى مسلمة وقال : ما أراني عاصيا ، فإن كنت عاصيا فقد عصى من هو خير مني ، وإن كنت مداهنا فقد داهن من هو خير مني . فما جرمي إلا أن أنكيت في المشركين ، وأبكيت ، وقمت بحق اللّه تعالى ، وقتلت عدوّه ، ولم تأخذني فيه لومة لائم . فإنما فعلت بما أمرت ، وأوصيت بالدخول إلى المدينة العظمى ، فدخلت . هذا كلامي وهذا عذري ، فاقبل مني أو دع . فقال عمر بن عبد العزيز : يا مسلمة ، سرت بالمسلمين إلى أقصى بلاد الروم ، فقتلت الضعيف ، وأتعبت القوي ، تطلب الشرف ، وأردت الرئاسة .
أما كان يكفيك من القسطنطينية بلاد عمورية والقيام بها ؟ ولكنك أردت أن يقال :
هذا مسلمة بن عبد الملك شديد العزم . فالويل لك إن آخذك اللّه بقتل رجل من المسلمين .
ويحك يا مسلمة ، لقد بلغني عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
« الويل لمن أهلك نفسا مؤمنة » . فقد عفونا عنك ما كان من جهلك . اقعد ، فقعد .
فقال : هات يا مسلمة حدثني عن بلاد الروم . فقال مقاتل مولى عمر بن عبد العزيز :
سمعت مسلمة وهو يقول لعمر : ما رأيت بلادا تشبه القسطنطينية . قال عمر : صفها لي .
قال : هي مدينة برية بحرية ، الخير فيها كثير ، من الفاكهة والطعام ، واللباس فيها ظاهر ، والدواب فيها فرهة . قال عمر : صف لي سورها ، وأبوابها ، وكنيستها العظمى ، وقصرها الكبير . قال : أما سورها فحجارة ، وعرض السور ما يسير عليه مائة فارس عرضا . فأما الأبواب فإنها حديد عرض ما بين كل باب ميل . وأما الكنيسة العظمى فمن رخام مصفف مفصّص بالحجارة المذهبة وبالجوهر . وأما قصرها فمن رخام ، ولم أدخله يا أمير المؤمنين . قال عمر : أسألك باللّه يا مسلمة هل جبنت حيث دخلتها ؟ قال مسلمة : لا واللّه يا أمير المؤمنين ما جبنت ، ولكني أجري ما كنت حيث دخلتها . قال : كيف رأيت أهل
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 276
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢٧٦