مدينتك ، فإن أبررت يميني ، وإلا وقفت على بابها حتى أموت ، أو يفتحها اللّه سبحانه على يدي .
وأما ما ذكرت من مالك وما تصالحني عليه فإن ذلك حقير عندي ، ذليل في عيني ، إن كان قد عظم عليك كثرة ذلك فإنه لا يكثر عندي . وبعد ذلك فإني إن وصلت إلى مدينتك ، وإلا فهي الجنة .
فلما قرأ أليون الكتاب خرج إلى باب القسطنطينية ثم نادى : أنا أليون فأين مسلمة ؟
فدنا مسلمة قريبا من الباب ، ثم إن أليون قال لمسلمة : أنا قد ضمنت لك الرضا وفوق الرضا ، فارفق ولا تعجلنّ إلى قتالي ، فإني سأعدّ لك خيلا غير هذه الخيل . قال له مسلمة :
أثبت مكانك . وأمرنا مسلمة أن نتهيأ في السلاح الشاك . فلما نظر أليون إلى ذلك هاله ، ونحن حينئذ ستون ألف مقاتل ، فهاله ذلك هولا شديدا . فعندها قال لمسلمة : ما الذي تريد ؟ فقال له مسلمة : عزمت على أن لا أرجع حتى أدخل مدينتك . قال له أليون : ادخل وحدك ولك الأمان . فقال له مسلمة : نعم ، على أن آمر البطّال وأصحابه يقفون على باب القسطنطينية ، ولا يغلقون الباب . فقالوا له : لك ذلك . ففتح الباب الأعظم ، ولم يفتح قبل ذلك سبع سنين إلا لقتال ، وهو الباب الأعظم . فثبتنا عليه ، والبطال على المقدمة على الباب ثابت ، ما يزول ولا يتحرك .
قال مسلمة : إني داخل فاثبتوا على الباب . فإن صليتم العصر ولم أخرج فاقحموا بخيلكم على المدينة ، فاقتلوا من أصبتم ، والأمير من بعدي محمد بن مروان . فركب على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة ، متقلدا بسيفين ، سيف أبيه وسيف نفسه ، حتى دخل وبيده الرمح ، فصفّ له ملك الروم الخيل من باب المدينة إلى باب الكنيسة العظمى ، كلما مرّ بقوم ساروا خلفه وقد رمقوه بأبصارهم ، وهم يتعجبون من شجاعته وشدته وجرأته ، فلم يزل يتقدم حتى وصل قصر أليون . فخرج إليه أليون فقبّل يده ، فقال مسلمة : أنت أليون ؟ فقال : نعم . قال : فأين الكنيسة العظمى ؟ قال : هذه . فدخل على فرسه ، فجزعت الروم من ذلك جزعا شديدا ، فلما دخل إلى الكنيسة نظر إلى صليبهم الأعظم وهو موضوع على كرسي من ذهب ، وعيناه ياقوتتان حمراوتان ، وأنفه زبرجدة خضراء . فلما نظر مسلمة إلى الصليب أخذه فوضعه على قربوس فرسه . فقالت الرهبان لأليون : لا ندعه . فقال له أليون : إن الروم لا ترضى بهذا . فحلف لا يخرج حتى يأخذه . فقال أليون للروم : دعوه يخرج به ، لكم عليّ مثله . دعوه يخرج ، وإلا دخل عليكم البطال . فأخذه وخرج وهو على فرسه ، وأليون مسايره حتى إذا توسط المدينة رفع الصليب على الرمح . فلما نظرت الروم
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 271
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢٧١