القسطنطينية ثمانية فراسخ . المدينة منها أربع فراسخ ، والبقية جزيرة . فأقام مسلمة بتلك الجزيرة ، وبعث إلى أهل عمله من الروم أن يبنوا له مدينة : فرسخين في فرسخين ، فأقمنا فيها . وصارت بلاد الروم كلها في يد مسلمة ما بين الشام إلى جزيرة القسطنطينية ، وجبي إليها الخراج . ونصب أليون ملك الروم على المدينة المجانيق ، وأقمنا بها سبع سنين .
وسمّاها مسلمة مدينة القهر ، لأنه قهرهم عليها .
قال عبد اللّه بن سعيد بن قيس : لقد غرسنا بها التفاح وأكلنا منه ، وغرسنا بها الكمثرى وأكلنا منها ، وأقمنا إقامة قوم لا يردون الرجوع إلى بلادهم . وكنا مع هذا نغزوهم في كل يوم ويغزونا ، ونقاتلهم ويقاتلونا . حتى إذا جننا الليل رجعوا إلى القسطنطينية ، ورجعنا إلى مدينة القهر . فلم نزل على ذلك سبع سنين . ثم تقدمنا إلى باب القسطنطينية ، فوقفنا على بابها سبعة أيام ، ما نفترّ ولا نرجع إلى مدينتنا . وإن مسلمة ليقاتل بنفسه ، وما يرجع ولا ينثني . وأقبل البطّال فقتل منهم ما بين الخمسين إلى المائة ، حتى قتل في تلك الأيام ستمائة رجل .
قال : فلما اشتد حصارنا لهم كتب ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك أمير العرب :
من أليون . أما بعد ، فقد أخربت بلادي ، وقتلت بطاركي ، وحصرتني في مدينتي ، وبلغت مني كل مبلغ . وقد أردت أن أجمع عليك الجموع من الروم كلها ، ثم أصول عليك صولة واحدة أفرّق جمعك ، وأقلّ فيها أصحابك ، وأبدّد شملك . ثم إني أحببت أن لا أفعل ذلك ، وقد عزمت على مصالحتك على أن ترجع إلى المسيحية فتقيم بها ، وأؤدّي إليك في كل سنة عشرة آلاف أوقية فضة ، وستة آلاف أوقية ذهب ، وخمسة آلاف رمكة ، على أن أحقن دماء أصحابك وأصحابي ، وعلى أن أسالمك وتسالمني ، فإن ذلك أبقى لك .
فكتب مسلمة بن عبد الملك : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من مسلمة بن عبد الملك إلى أليون كلب الروم .
أما بعد ، فإنك ذكرت أن لو أردت أن تجمع الجموع ، فلو قدرت لفعلت ، ولكن اللّه مهلكك إن شاء اللّه تعالى ، وهذه أمدادي تأتيني من الشام ، وهم ذو البأس والشدة والقوة والنجدة ، وهم أصحاب الدين والقرآن ، لا يريدون إلا قتالك ، يطلبون بذلك الجنة ، لا يريدون الدنيا ، ولا ذهبا ولا فضة ، ولا يريدون الدنيا ولا أهلها . هم أشد حبا للموت منك للحياة ، يطلبون بذلك الجنة وجنات النعيم .
وأما ما ذكرت من أمر الصلح فإني قد آليت بيمين أن لا أرجع إلى بلادي حتى أدخل
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 270
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢٧٠