تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
أيها الأمير الموفق الكبير ، ائذن لي حتى أسير معك ، فأبى ، وأمره أن يرجع إلى المدينة ، فرجع . وإن مسلمة لواقف على باب المدينة حتى دخلوا كلهم إليها ، ثم أقبل فعبر الجزيرة هو والمائة فارس ، ولم يتخلف بالمدينة من المسلمين ، ولم يترك بها متاعا ولا مالا ولا زادا إلا حملناه معنا . فلما عبر مسلمة كبّر وكبّر المسلمون ، فأقمنا على شاطئ البحر سبعة أيام . وجاء أليون حتى دخل مدينة القهر فأقام بها ، فلما ارحلنا خرّبها كلها عن آخرها ما خلا المسجد . وأقبلنا حتى دخلنا المسيحية ، وأمر مسلمة أصحاب المسائح أن يلحقوا به ، فلم يخلف مسلمة أحدا ، وعبر الفرات ، وأقمنا بالمسيحية ، ووقع الموت والطاعون بالمسلمين ، فمات من المسلمين خمسة عشر ألف رجل ، فاغتمّ مسلمة لذلك غما شديدا وهاله ، وكان الخراج يحمل إليه فيقسمه بيننا ، ولم يحدث أليون ولا أصحابه حدثا . وأخرب مسلمة مدينة المسيحية ، تحوّل عنها إلى التقفورية ، لأن أهل المسيحية كانوا همّوا أن يغدروا بالمسلمين . فخرّبها ، وقتل رجالها ، وسبى نساءهم . وأقام بالتقفورية ستة أشهر . ثم عرض الناس ، فكانوا يومئذ خمسة وعشرين ألفا ، فاغتمّ لذلك مسلمة غما شديدا . وأتاه كتاب رجاء بن حيوة يخبره أن سليمان بن عبد الملك توفي ، وأمر أن يستخلف عمر بن عبد العزيز ، فإني قد بايعت له ، وبايع له الناس ، وهو عدل مرضي في الرعية ، ويقسم بينهم بالسويّة ، ورضيت به بنو أمية وقريش كلها ، ورضي به أهل الآفاق والأمصار ، ودخلوا في بيعته . وقد كتب إليك كتابا يأمرك بالقدوم إليه ، ويعزلك عن بلاد الروم ، ويأمرك فيه بالبيعة له والطاعة . فاقبل كتابه ، وانقد لأمره ، وأطعه ترشد إن شاء اللّه تعالى . فإياك أن تخالف فتفسد ما أصلحت ، وتنقض ما أبرمت . مع ما أتخوّف عليك من العقاب والعذاب الشديد ، في شقّك العصا ، وخلافك على الأمة . فاقبل وصيتي فقد علمت نصيحتي لك ، والسلام . فأتاه كتاب عمر بن عبد العزيز وإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من عبد اللّه عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى مسلمة بن عبد الملك : أما بعد ، فإن اللّه خلق الخلق على ما شاء من تقديره ، ودبّرهم بمشيئته وإرادته ، فله الحمد والشكر كثيرا . وكان مما قضى اللّه وقدّر أن ولأنّي أمر المسلمين ، وجعلني خليفة في الأرض ، فأسأل اللّه أن يخرجني مما أدخلني فيه سويا سليما خميصا ، لا تبعة عليّ في ذلك ولا عقاب ، فقد طال حزني بذلك ، ومرض قلبي ، وتفتّت كبدي ، وقد بايع لي بنو أمية كلهم ، وجميع الأمصار ، فادخل مع الجماعة ، واقدم بمن معك جميعا ، ولا تخلفنّ أحدا ، فقد عظمت المصيبة بالمسلمين .