بالخلافة ، فهلمّ نبايعك ، فقال : أيها الناس ، للّه قد ركبت أمس في المشركين ، وأشقّ عصا المسلمين اليوم ، فأخالف أمرهم .
ألا إني قد بايعت لسليمان بن عبد الملك ، فبايعوا له ، فبايع الناس كلهم عند ذلك ، فأقمنا في الجزيرة بعد ذلك ثلاثة أشهر ، حتى أصلحنا سفننا ، وهيأنا أمرنا ، فأعطانا الغنائم . ثم كتب إلى أليون ملك الروم :
بسم اللّه الرحمن الرحيم .
من الأمير مسلمة بن عبد الملك إلى أليون ملك الروم :
أما بعد ، فإني قد عزمت على الخروج من بلادك ، فأجمعت على ذلك ، وأحببت أن أحسن إليك كما طلبت العافية ، وقد خلفت عندك وديعة ، مسجدي هذا الأعظم ، فإياك ثم إياك أن تحرّك منه حجرا أو عودا ، فإني أقسم عليك باللّه فأعزم لئن فعلت لأرجعن ، ثم لأقدمنّ عليك حتى يهلك اللّه ويخزيك ، وأما سوى ذلك من بناء فأنت أعلم ، فإياك أن تغير في أثري حتى أخرج من بلاد الروم ، فإنك إن فعلت فقد خالفت ونقضت ما بيني وبينك فلا أمان ، فأعزم باللّه عزيمة ثانية لئن خالفتني أو رأيت سوءا ، لأقيمنّ عمري أو يظفرني اللّه بك ، مع أني أرجو أن يضيّع اللّه أمرك ، ويهتك سترك ، فافعل أو دع .
فكتب إليه ملك الروم :
للأمير مسلمة بن عبد الملك .
من أليون عبده الذليل : أما بعد ، فقد فهم كتابك ، ولك السمع والطاعة ، إني لا أعبر الجزيرة ولا أخرج حتى تخرج من بلاد الروم .
وأما المسجد ، فو ربّ المسيح ورب الصليب ، لا يهدم منه حجر ما كان لي سلطان ، ولا يكسر منه عود ، ولا يدخله أحد من الروم أبدا ما عمرت في الدنيا ، وقد وجّهت إليك ألف رمكة ، وألف أوقية من ذهب ، وألف ثوب بداكوني هدية لك ، فاقبلها أيها الأمير .
فلما أتاه الكتاب والهدية قبلها ، ثم وزعها بين المسلمين ، فما تفضّل بدينار ولا درهم ، ثم أمر البطّال أن يحمل المسلمين في السفن ، ويعبرهم الجزيرة ، فلم يزل ذلك دأبه ، وإنه لمقيم في المدينة حتى عبر الناس كلهم ، وبقي في مائة فارس ، فمضى بنفسه القسطنطينية فقال :
يا أليون ، إني ماض فهل لك في حاجة ؟ فخرج إليه أليون ، فسلّم عليه ، فلم يصافحه مسلمة ، فقبّل أليون رجله ، ثم قال أليون :
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 273
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢٧٣