أكبركم . فأشاروا إلى الجنيد . فقال : أخبرني عن هذا الذي فعلتموه ، هو مخصوص في دينكم أو معموم ؟ فقال : بل مخصوص . فقال : لأقوام مخصوصين أو معمومين ؟ قال : بل لأقوام مخصوصين . فقال : بأي نية تقومون ؟ فقال : بنية الرجاء والفرح باللّه عز وجل .
فقال : بأي نية تسمعون ؟ قال : بنيّة السماع من اللّه تعالى . فقال : بأي نية تصيحون ؟ قال :
بنية إجابة العبودية للربوبية ، لما قال اللّه تعالى للأرواح في الذر :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
. قال : فما هذا الصوت ؟ قال : نداء ربي . فقال : بأي نية تقعدون ؟ قال : بنيّة الخوف من اللّه تعالى . قال : صدقت . ثم قال الراهب للجنيد : مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم عبده ورسوله . وأسلم الراهب وحسن إسلامه .
فقال الجنيد : بم عرفت أني صادق ؟ قال : لأني قرأت في الإنجيل المنزل على المسيح ابن مريم أن خواص أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يلبسون الخرقة ، ويأكلون الكسرة ، ويرضون بالبلغة ، ويقومون في صفاء أوقاتهم باللّه يفرحون ، وإليه يشتاقون ، وفيه يتواجدون ، وإليه يرغبون ، ومنه يرهبون . فبقي الراهب معنا على الإسلام ثلاثة أيام ، ثم مات رحمه اللّه تعالى .
ليس يعني بقوله يلبسون الخرقة هذه الخرقة المعروفة بين هؤلاء الصوفية ، وإنما يعني بلباس الخرقة لباس المرقعات لا المشهرات وخلقات الثياب ، أي لا همّ لهم في ملابسهم ، إنما تهمهم في لباس التقوى الذي هو خير . ولذلك قال : ويأكلون الكسرة ، أي لا يهتمون بما يجعلون في بطونهم من ملذوذات الأطعمة ، وإنما طعامهم ما تيسر حسابه ، وتيسر لهم لا غير ذلك .
من زعم أن ذا القرنين حميري
روينا من حديث ابن الواسطي ، قال : نبأ عمر بن الفضل بن المهاجر ، عن أبيه ، عن الوليد بن حماد الرملي ، عن محمد بن العباس ، عن عمران بن موسى البغدادي ، نبأ السلام بن داود ، نبأ أحمد بن نباتة ، عن سلمة بن أبي سلمة الأبرش ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي القرظي ، قال : سمعت إبراهيم بن طلحة بن عبيد اللّه يحدث ، عن أبيه ، عن جده يرفعه ، قال :
إن ذا القرنين كان ابن رجل من حمير ، وكان قد وفد إلى الروم ، فأقام فيهم . وكان أبوه يسمى الفيلسوف لعقله وأدبه . فتزوج في الروم امرأة من غسان ، وكانت على دين الروم ، فولدت ذا القرنين ، فسمّاه أبوه الإسكندر . فهو الإسكندر ابن الفيلسوف الحميري ، وأمه رومية غسانية .