تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ركز بها الصيف أعلامه وضرب سرادقاته وخيامه ، وأظهر على الدنيا إنعامه ، حين جاء يعزل الشتاء البريد ، وسلّم إلى الصيف كتاب التقليد ، فبعث جيوشه وسراياه ، ولاطف بتحفه وهداياه ، فصنائعه إلى الأرض مشكورة ، وآلاؤه على الروض منثورة ، إذ لبست أرديته ومطارفه ، وحليت وشيه وزخارفه ، وألقت نصيفها المعنبر ، وتخمّرت بخمارها الأخضر ، بين ثرى مصندل ، وندّ مكفّر ، ونسيم معطّر ، وفضاء مفضّض ، وجو مخلق ، وترابيع ميادين من الآس والرياحين مستنّة الطوارق ، مصفوفة النمارق ، مفروز بالنوار بساطها ، معلمة بالأزهار :
فكأنما ترنو العيون إلى * ملح من الديباج في الزهر وكأنما تطأ اللحاظ على * وشي نمته أنامل القطر وكأنما لبس النسيم بها * نشر الخزامى وحقة العطر
حليّ بها القطر عقوده ، ونشر بها ملاءه وبروده ، وكتب في رؤوس الشقاق عهوده ، وشيا ، ووشما ، ورقما :
كأن عهد الربيع يهواها * فقد كساها وشيا وحلّاها فهي كبكر تزف في خلع * شتى يحوز الجمال معناها
كأنما حبتها الجنة بزخارفها ، والفراديس بطرائفها ، وغذّاها السلسبيل ماء النعيم ، وجرت في بروجها عين التنسيم ، والتحقت بزرابيها ونمارقها ، واشتملت بسندسها واستبرقها ، فهي تباري السماء في استدارة أفلاكها ، والنجوم في انتظامها واشتباكها :
غير أن النجوم تطلع في اللي * ل وهذي تضيء في الأصباح زاهرات لها نسائم نشر * ناميات الجسوم في الأرواح وكأن الأنواء إذ نيّمتها * قلدت كل روضة بوشاح
حط فيها الأقحوان لثامه ، ونثر منها المنثور نظامه ، فتبدّدت جمانه ، وتغيّرت ألوانه ، فاكذبا مشبههما بالثغور المبتسمة ، واليواقيت المنظمة ، وهبّ النسيم على سننه ، فنبّه السوسن من وسنه ، ولاح البنفسج حنيق الأوداج ، لازوردي التاج ، واسترد الورد من الخدود حمرته ، والسرو من القدود قامته ، واستحال لون العشاق في النهار ، وانتقل صبغ الوجنات إلى الجلنار ، وذاب العقيق على الشقيق ، فانقض منه شرر كالحريق ، وسالت سرح القطارب ، كأنها زبانات العقارب ، وفتح النرجس من الذهب عيونا ، وأدار لها من اللؤلؤ الرطب جفونا ، ومدّ من الزمرد الأخضر متونا ، كغصون زبرجد أثمرت درّا ، وأثمر درّها تبرا ، كأنما استعار الزعفران من أحداقها ألوانا ، والكافور من جفونها بياضا ولمعانا ،