بذراريهم وأنفسهم وأموالهم ، وقالوا : نطلب مكانا فيه مرعى نسمّن فيه ماشيتنا ، فإن أعجبنا أقمنا به ، فإن كل بلد نزل به أحد ومعه ذريّته وماله فهو وطنه ، وإلا رجعنا إلى بلادنا .
فلما قدموا مكة وجدوا ماء معينا ، وعضاها ملتفة من سلم وسمر ، ونباتا يسمّن مواشيهم ، وسعة من البلاد ، ودفاء من البرد في الشتاء .
فقالوا : إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد . فأقاموا مع العماليق ، فكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم ، وكان ذلك سنّة فيهم ، ولو كانوا نفرا يسيرا .
وكان مضاض بن عمرو ملك جرهم ، والمطاع فيهم .
وكان السميدع ملك قطورا ، فنزل مضاض بن عمرو على مكة ، فكان يعشر من دخلها من أعلاها ، وكان ناحيتهم وجه الكعبة ، الركن الأسود ، والمقام ، وموضع زمزم ، مصعدا يمينا وشمالا ، وقيقعان إلى أعلى الوادي . ونزل السميدع أسفل مكة ، وإلى أجيادين ، وكان يعشر من دخل مكة من أسفلها . فكان حوزهم المسفلة ظهر الكعبة ، والركن اليماني والغربي ، وأجيادين ، والثنية إلى الرمضة . فبنيا فيها البيوت ، واتّسعا في المنازل ، وكثروا على العماليق ، فنازعتهم العماليق ، فمنعتهم جرهم ، وأخرجوهم من الحرم كله ، فكانوا في أطرافه لا يدخلونه . فقال لهم صاحبهم عموق : ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتموني ؟
فجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من قومهما ، وكثروا ، وأعجبهم البلاد ، وكانوا قوما عربا ، وكان اللسان عربيا .
وكان إبراهيم خليل اللّه يزور إسماعيل ، فلما سمع بلسانهم وأعرابهم ، سمع كلاما حسنا ، ورأى قوما عربا ، وكان إسماعيل قد أخذ بلسانهم .
أمر إسماعيل أن ينكح فيهم ، فخطب إلى مضاض بن عمرو بنته دعلة ، فزوّجه إياها ، فولدت له عشر ذكور ، وهي زوجته التي غسلت رأس إبراهيم حين وضع رجله على المقام .
قال : وتوفي إسماعيل ، وترك ولدا من دعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ، فقام مضاض بأمر ولد إسماعيل وكفلهم ، لأنهم بنو ابنته ، فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة ، فكانوا ولاة البيت وحجابه ، وولاة الأحكام بها ، ثم إن جرهما استخفت بأمر البيت والحرم ، وارتكبت أمورا عظاما وأحدثوا إحداثا لم تكن ، فقام مضاض بن عمرو بن الحرث بن مضاض فيهم فقال :
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 216
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢١٦