وفضحت قطورا . ويقال : ما سمي فاضح فاضحا إلا لذلك . ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح ، فساروا حتى دخلوا المطابخ شعبا بأعلى مكة ، يقال له شعب عبد اللّه بن عامر بن كرين بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس . فاصطلحوا بذلك الشعب ، وأسلموا الأمر إلى مضاض بن عمرو . فلما جمع عمرو أهل مكة وصار ملكها دون السميدع ، نحر للناس وأطعمهم ، فأطبخ للناس فأكلوا . فيقال : ما سمي المطابخ إلا لذلك . قال : فكان الذي كان بين مضاض بن عمرو والجرهمي في ذلك الحرب بذكر السميدع وقتله وبغيه والتماسه ما ليس له :
ونحن قتلنا سيد القوم عنوة * فأصبح فيها وهو حيران موجع
وما كان يبقى أن يكون سواءنا * بها ملك حتى أتانا السميدع
فذاق وبالا حين جاول ملكنا * وعالج منّا غصّة تتجرع
فنحن عمّرنا البيت كنا ولاته * نحامي عنه من أتانا وندفع
وكنّا ملوكا في الدهور التي مضت * ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
قال أبو الوليد : قال ابن إسحاق : وقد زعم بعض أهل العلم إنما سمّيت المطابخ لما كان تبّع نحر بها ، وأطعم بها ، وكانت منزله . قال : ثم نشر اللّه بني إسماعيل بمكة ، وأخوالهم جرهم إذ ذاك الحكّام بها ، وولاة البيت ، كانوا كذلك بعد ثابت بن إسماعيل .
فلما ضاقت عليهم مكة ، وانتشروا بها ، انبسطوا في الأرض ، وابتغوا المعاش والتفسح في الأرض . ولا يأتون قوما ، ولا ينزلون بلدا ، إلا أظفرهم اللّه عليهم بدينهم ، فوطئوهم وغلبوهم عليها ، حتى ملكوا البلاد ، ونفوا عنها العماليق ، ومن كان ساكنا بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم . وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخئولتهم وقرابتهم ، وإعظام الحرم أن يكون فيه بغي وقتال .
قال أبو الوليد : وحدثني بعض أهل العلم ، قالوا : كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة ، فضيّعوا حرمة الحرم ، واستحلوا منه أمورا عظاما ، ونالوا ما لم يكونوا ينالوا ، فقام رجل منهم يقال له عموق فقال : يا قوم ، اتقوا اللّه على أنفسكم ، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من صدر الأمم قبلكم ، قوم صالح ، وهود ، وشعيب ، فلا تفعلوا ، وتوصلوا ، فلا تستخفوا بحرمة حرم اللّه ، وموضع بيته ، وإياكم والظلم فيه والإلحاد ، فإنه ما سكنه أحد قد فظلم فيه وألحد إلا قطع اللّه دابرهم ، واستأصل شأفتهم ، وبدّل أرضها غيرهم ، حتى لا يبقى لهم باقية . فلم يقبلوا منه ذلك ، وتمادوا في هلكة أنفسهم .
قالوا : ثم إن جرهما وقطورا خرجوا سيّارة من اليمن ، فأجدبت عليهم ، فساروا