تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

همة شريفة وزهد كريم

قلت : دخلت مسجد العماد بن الحدوس بالموصل على المهذب ثابت بن عنبر الحلويّ ، وكان رفيع الهمة من أزهد الناس ، وكان يغلب عليه الأدب ، فاستنشدته في حاله ، فأنشدني ونحن في جماعة ، وهو من التجنيس :
إذا قنعنا بأدام بقلنا * وخلنا من الخلّ فخلنا من ذكر لذّات الوجود * من التّرك خلنا ففقرنا بخلنا على * ثراء من الخلة خلنا

من آثر آخرته على دنياه وغلب عقله على هواه

حدثنا عبد الرحمن ، نبأ عمر بن ظفر ، نبأ جعفر بن أحمد ، نبأ عبد العزيز بن علي ، نبأ أبو الحسن الصوفي ، قال : سمعت محمد بن داود قال : حدثني أبو الحسن اللؤلؤي قال : كنت في البحر ، فانكسر المركب وغرق كل ما فيه . وكان في وطائي لؤلؤ قيمته أربعة آلاف دينار . وقربت أيام الحج وخف الفوات . فلما سلّم اللّه روحي ، ونجّاني من الغرق مشيت ، فقال لي جماعة كانوا في المركب : لو توقفت عسى أن يجيء من يخرج شيئا فيخرج لك من رحلك شيئا . فقلت : قد علم اللّه عز وجل ما مرّ مني ، وفي وطائي شيء قيمته أربعة آلاف دينار ، وما كنت الذي أؤثره على وقفتي بعرفة . فقالوا : وما الذي ورثك هذا ؟ فقلت : أنا رجل مولع بالحج ، أطلب الربح والثواب ، فحججت في بعض السنين ، وعطشت عطشا شديدا ، فأجلست عديلي في وسط محملي ، ونزلت أطلب الماء ، والناس قد عطشوا ، فلم أزل أسأل رجلا رجلا ومحملا محملا : معكم ماء ؟ وإذا الناس شرع واحد ، حتى صرت في ساقة القابلة بميل أو ميلين ، فمررت بمصنع وصهريج ، وإذا رجل فقير جالس في أرض المصنع والماء ينبع من موضع العصا ، وهو يشرب ، فنزلت إليه ، وشربت حتى رويت ، وجئت إلى القافلة والناس قد نزلوا ، فأخرجت قربة ومضيت فملأتها ، فرآني الناس ، فتبادروا بالقرب ، فرووا عن آخرهم ، فلما روي الناس ، وسارت القافلة ، جئت لأنظر ، وإذا البركة ملئت تلتطم أمواجها ، فموسم يحضره مثل هؤلاء يقولون : اللهم اغفر لمن حضر هذا الموقف ولجماعة المسلمين ، أؤثر عليه الدنيا ، لا واللّه ، وترك اللؤلؤ وجميع قماشه . قال الشيخ : فبلغني أن قيمة ما كان غرق له خمسين ألف دينار . ومما تضمنه الأشواق قول بعض العشاق ، يصرفه الصالحون في التخلف عن السياق ، المسارعين إلى مرضاة اللّه ومغفرته :