وفي الحكمة : ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما كان في يده اللصوص فيخفيه ، ويمكّن عدوّه من نفسه بإظهار ما في قلبه من سرّ نفسه أو سرّ أخيه .
قال معاوية رضي اللّه عنه : ما أفشيت سرّي إلى أحد إلا أعقبني طول الندامة وشدة الأسف ، ولا أودعته جوانح صدري فحكّمته بين أضلاعي إلا أكسبني مجدا وذكرا وثناء ورفعة . فقيل : ولا ابن العاص ؟ فقال : ولا ابن العاص .
وكان يقول : ما كنت كاتمه عن عدوّك فلا تظهر عليه صديقك . يريد ، واللّه أعلم ، ما سمعت أبا بكر بن خلف بن مناف أستاذنا ينشده في مجلسه مرارا . وفي وصيته أبياتا ويقول :
احذر عدوّك مرة * واحذر صديقك ألف مرة
فلربما هجر الصدي * ق فكان أعلم بالمضرّة
في الخبر المروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كتم سرّه كانت الخيرة في يده ، ومن عرّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن . وضع أمر أخيك على أحسنه ، ولا تظنن بكلمة خرجت منه سوءا . وما كافأت من عصى اللّه فيك بأفضل من أن تطيع اللّه جلّ اسمه فيه . وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء ، عصمة عند البلاء » .
روينا من حديث الدينوري عن الأصمعي ، على ما حدّث عنه الرياشي ، قال : كان يقول أبا الأسود : العمامة جنة في الحرب ، ومكنّة في الحر والقر ، وزيادة في القامة .
أنشدني بعض الأدباء ، وكان إلى جانبه من يحبّه ، فعبته بعض الحاضرين فيه بما لم يحسن وجهه عند العاتب . فالتفت إلى المحب ، فقال وهو يسمعه :
رأى وجه من أهوى عدوي فقال لي * أجلّك عن وجه أراه كريها
فقلت له وجه الحبيب مراءة * وأنت ترى تمثال وجهك فيها
وذلك بقرطبة ، وكان الحبيب سعيد بن كرز ، والمحب أبو بكر الزهري .
وأنشدنا بعض الأدباء مما أنشده المازني لبعضهم :
لئن كنت محتاجا إلى العلم إنني * إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم * ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوّم * ومن شاء تعويجي فإني معوّج
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا * ولكنني أرضى به حين أحوج
ألا ربما ضاق الفضاء بأهله * وأمكن من بين الأسنّة مخرج