حلّ به ضيف نحره له . فقال الفارسي : فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم . قال : وما ذاك ؟ قال : نحن نسمي الضيف مهمان ومعناه أنه أكبر من في المنزل والمكان .
أخبرنا عبد الرحمن بن ميمون ، أنا أبو القاسم الرعيني قال : كان شيخنا أبو محمد عليم بن هانئ العمري من أشدّ الناس انقباضا عن أهل الدنيا ، وكان كثيرا ما ينشد الأبيات المنسوبة إلى الفقيه الإمام يونس بن مغيث :
أقرّ إليك من ظلمي لنفسي * وسلّمني العبيد وأنت أنسي
لقاؤك مأملي وبك افتخاري * وذكرك في الدّجى قمري وشمسي
قصدت إليك منقطعا غريبا * لتؤنس وحدتي في قعر رمسي
وللعظمى من الحاجات عندي * قصدت وأنت تعلم سرّ نفسي
قال الشاطبي : ودخلت عليه رضي اللّه عنه عقيب عيد الفطر فقال لي : مرّ عليّ أمس بعض الأمراء في مركب فاخر وملبس باهر والناس يغبطونه بذلك . فقلت أبياتا وهي :
محالات تجرّ إلى محال * وأحوال تحول بكل حال
ملابس قد تبدّل ثم تبلى * وأجسام تؤول إلى اضمحال
فناء عاجل لو يقض مرّت * وكل إقامة تالي ارتحال
فما المغبوط من ركب المطايا * بعزّ أو تسربل في الجمال
ولكنّ المغبّط من تردّى * بثوب الذلّ رهبة ذي الجلال
فإن شئت البقاء بلا نفاد * وعزّ لا يكدّر بالزوال
فمت حيا تعش حيا وميتا * وتنعم بالكواعب في الظلال
وقم في الليل ويحك مستكنّا * وقل يا سيّدي اسمع مقالي
حياتي في الذي تدري وموتي * وجود الهجر من بعد الوصال
فنائي في بقائي لي بقاء * وأن يفنى فنائي لا أبالي
أجرني أن أرى نفسي أعذني * حبيبي أن يخيّل لي خيالي
وجد بالمجدّ ويحك في جهاد * وبع ما شئت مبخوسا بغالي
قال الشاطبي : كان سبب موت هذا السيد أنه اضطرّ إلى الاجتماع بالسلطان في نازلة نزلت به ، فسار إليه ، فلما جاء البلد الذي السلطان فيه ، خلا بنفسه في ليلة جمعة ، فصلى بسورة فيها سجدة ، فلما سجد سأل ربه الموت ولا يجتمع بالسلطان ، فانقطع كلامه وهو ساجد ، فرفع وهو كذلك ، فلبثت يومين وهو لا يتكلم ، ومات . وكان هذا الشيخ قد نهبت داره ، فجعل يبكي ، فاجتمع إليه الفقهاء والأدباء يصبّرونه ، ويهوّنون عليه ما جرى . فقال