فكلهم أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه . فلما أصبح أشرف فقال : ليس إلى دفع الدروع سبيل ، فاصنع ما أنت صانع . فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه ، وكان يهوديا .
وانصرف الملك ، ووافى السموأل بالدروع الموسم ، فدفعها إلى ورثة امرئ القيس . وقال في ذلك شعرا :
وفيت بأدرع الكنديّ إني * إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنز وعيب * ولا وأبيك أعذر ما مشيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا * وبئرا كلما شئت استقيت
وفي ذلك يقول الأعشى :
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به * في عسكر كسواد الليل جرّار
خيّره خطّتا خسف فقال له * اختر وما فيهما حظ لمختار
فشكّ غير بعيد ثم قال له * اذبح أسيرك إني مانع جاري
وروينا من حديث الشعبي ، قال : قالت أم البنين ابنة عبد العزيز ، وهي أخت أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، وكانت تحت الوليد بن عبد الملك : لو كان البخل قميصا ما لبسته ، أو طريقا ما سلكته . وكانت تعتق في كل يوم رقبة ، وتحمل على فرس في سبيل اللّه . وكانت تقول : البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة .
أخبرني أبو القاسم البخاري ، قال : أخبرني أبو عبد اللّه الغزّال بالمرية قال : سمعت أبا العباس بن العريف الصنهاجيّ ، عارف وقته ، يقول : ليس السخي من يسخى بماله ، إنما السخي من يسخى بنفسه على العلم .
في الحكمة
ثواب الجود : خلف ، ومحبة ، ومكافأة . وثواب البخل : حرمان ، وإتلاف ، ومذمّة .
سئل الإسكندر : ما أكبر ما شيّدت به ملكك ؟ قال : ابتداري إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم .
وكتب أرسطاطاليس : يا إسكندر ، اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلقه ، وتخلق آثاره ، وتميت الأفعال ، إلا ما رسخ في قلوب الناس . فأودع قلوبهم محبة أبدية تبقي بها حسن ذكرك ، وكريم أفعالك ، وشرف آثارك .