فخدمت ، وسلّمت ، وقالت : ما أحسن هذه الحالة التي أنت فيها ، لو تمّ ، ثم أنشدت :
ليس فيما بدا لنا منك عيب * عابه الناس غير أنك فان
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان
فقال لها سليمان : يا فلانة ، ما حملك على هذا في هذا الوقت ؟ وتغيّر عليه الحال .
ثم إنه أكذب نفسه ، وتحامل على عقله بهواه ، ومضى لوجهه ، حتى خرج على قومه في زينته ، فأعجب الناس به ، وصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه بصوت يستوي في سماعه أقصى من في المجلس وأدناه ، وأبلغ وأسهب فأعجب ، وأوجز فأعجز . فبينما هو في أطيب ما يكون من الكلام أخذته الحمى ، فتحامل عليها ، فما زالت تخفض في صوته إلى أن سقط مغشيا عليه . ثم أفاق ، فحمل إلى منزله ورجلاه تخطّ في الأرض ضعفا ، وقوة من مرض . فلما دخل منزله استدعى الجارية التي تعرّضت له عند خروجه بالبيتين في صحن الدار ، فحضرت بين يديه ، فقال لها : يا فلانة ، أعيدي عليّ ما قلت عند خروجي . فقالت له : يا سيدي ، ما أعرف ما تقول ، واللّه ما تعرضت إليك ، وكيف أجرؤ على التعرض إليك في صحن الدار وليست مرتبتي ؟ فعلم سليمان أن نفسه نعيت له ، فأوصى ، فلبث أياما ومات .
مثل سائر
أوفى من أمّ جميل ، وهي دوسية من قبيلة أبي هريرة رضي اللّه عنه ، فذكر أهل الأدب من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل رجلا من الأزد ، فبلغ ذلك قومه بالسّراة ، فوثبوا على ضرار بن الخطاب الفهريّ ليقتلوه ، فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها ، فقامت في وجوههم ، ودعت قومها فمنعوه لها . فلما ولّي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ظنت أم جميل أنه أخو ضرار بن الخطاب ، فأتته بالمدينة . فلما انتسبت عرف القصة ، فقال : يا أم جميل ، لست بأخيه إلا في الإسلام ، وقد عرفنا منّتك عليه . فأعطاها على أنها ابنة سبيل .
وأما وفاء السموأل بن عاديا ، فذكر أهل الأدب من وفائه أن امرأ القيس بن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعا له ، فلما مات امرؤ القيس بأنقرة ، غزا السموأل ملك من ملوك الشام ، فتخوّر منه السموأل ، فأخذ الملك ابنا له وصاح به : يا سموأل ، هذا ابنك في يدي ، وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي ، وأنا أحق بميراثه ، فإن دفعت إليّ الدروع ، وإلا ذبحت ابنك ، قال : أجّلني ، فأجّله . فجمع أهل بيته ، فشاورهم ،