مكة ظاعن منهم إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم ، تعظيما للحرم ، وصيانة بمكة وبالكعبة . حيثما حلوا وضعوه ، فطافوا به كالطواف ، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة . وأعجبهم من حجارة الحرم خاصة حتى خلفت الخلوف بعد الخلوف ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره . فعبدوا الأوثان ، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالة ، وانتحوا ما كان يعبد قوم نوح منها ، على أثر ما كان بقي فيهم من ذكرها وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل ، يتمسكون بها من تعظيم البيت ، والطواف به ، والحج ، والعمرة ، والوقوف على عرفة والمزدلفة ، وهدى البدن ، والإهلال بالحج والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه .
ومن منظومات الشبلي في يوم عيد ، ما رويناه من حديث ابن باكويه قال : أنشدني أبو عمرة الحسن الحنظلي قال : سمعت الشبلي ينشد يوم العيد :
ليس عيد المحب قصد المصلى * وانتظار الجيوش والسلطان
إنما العيد أن تكون لذي الحب * كريما مقرّبا في الأمان
وله في ذلك :
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف * والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان ما لي منهما خلف * طول الحميم وعيني دمعها يكفّ
وله في ذلك :
إذا ما كنت لي عيدا * فما أصنع بالعيد
جرى حبّك في قلبي * كجري الماء في العود
وحدثنا يونس بن يحيى قال : انا ابن منصور ، عن الحميدي ، عن أبي بكر الأردستاني ، عن السلمي قال : سمعت عبد اللّه بن محمد الدمشقي يقول : سمعت الشبلي ينشد يوم عيد ، ولا أدري لنفسه أم لغيره :
الناس في العيد قد سرّوا وقد فرحوا * وما سررت به والواحد الصمد
لما تيقنت أنّي لا أعاينكم * غمّضت طرفي فلم أنظر إلى أحد
وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الباقي ، نبأ هنّا قال : سمعت محمد بن القاسم يقول : كان الشبلي ينوح يوم العيد ويصيح ، وعليه ثياب سود وزرق ، فاجتمع الناس إليه ، فسألوه عن حاله فقال :
تزين الناس يوم العيد للعيد * وقد لبست ثياب الزرق والسود