تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
شأنك ؟ قال : ابنة عمي قد أبطأت ولم تكن هذه عادتها ، وما أظن ذلك إلا لأمر حادث . وأنشأ يقول :
ما بال ميّة لا تأتي لعادتها * هل هاجها طرب أو صدّها شغل لكن قلبي لا يغنيه غيركم * حتى الممات ولا لي غيركم أمل أو تعلمين الذي بي من فراقكم * لما اعتذرت ولا طالك بك العلل نفسي فداؤك قد أحللت بي حرقا * تكاد من حرّها الأنفاس تنفصل لو كان غادية مني على جبل * لزلّ وانهدّ من أركانه الجبل
قال الطفيل : فو اللّه ما اكتحل بغمض حتى انفجر عمود الصبح ، وقام ومرّ نحو الحي ، فأبطأ عني ساعة ، ثم أقبل ومعه شيء يحمله ، وجعل يبكي عليه ، فقلت له : ما هذا ؟ فقال : هذه ابنة عمي افترسها السبع ، فأكل بعضها ووضعها بالقرب مني فأوجع واللّه قلبي ، ثم تناول سيفه ، ومرّ نحو الحي فأبطأ هنيهة ، ثم أقبل إليّ وعلى عاتقه ليث كأنه حمار ، فقلت : ما هذا ؟ قال : صاحبي ، قلت : وكيف عملت به ؟ قال : إني قصدت الموضع الذي أصابها فيه ، وعلمت أنه سيعود إلى ما فضل منها ، فجاء قاصدا إلى ذلك الموضع ، فعلمت أنه هو فحملت عليه ، فقتلته . ثم قام فحفر في الأرض ، فأمعن وأخرج ثوبا جديدا ، وقال : يا أخا بني عامر ، إذا أنا متّ فأدرجني معها في هذا الثوب ، ثم ضعنا في هذه الحفرة ، وهلّ التراب علينا ، واكتب هذين البيتين على قبرنا :
كنا على ظهرها والعيش في مهل * والدهر يجمعنا والدار والوطن فخاننا الدهر في تفريق الفتنا * فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم التفت إلى الأسد فقال :
ألا أيها الليث المدلّ بنفسه * هبلت لقد جرّت يداك لنا حزنا وغادرتني فردا وقد كنت آلفا * وصيّرت آفاق البلاد لنا سجنا أأصحب دهرا خانني بفراقها * معاذ إلهي أن أكون له خدنا
وقال : يا أخا بني عامر ، إذا فرغت من شأننا ، فصح في إدبار هذه الغنم ، فردّها إلى صاحبها . ثم قام إلى شجرة فاختنق حتى مات ، فقمت ، فأدرجتهما في ذلك الثوب ، ووضعتهما في تلك الحفيرة ، وكتبت البيتين على قبرهما ، ورددت الغنم على صاحبها . وسألني القوم عن الرجل ، فأخبرتهم الخبر ، فخرج جماعة منهم فقالوا : واللّه لننحرنّ عليه تعظيما له . فخرجوا ، وأخرجنا مائة ناقة ، وتسامع بنا الناس ، فاجتمعوا إلينا فنحرنا ثلاثمائة ناقة ، وانصرفنا .
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 191 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي