التوجّه حتى نفذ زادي ، فجعلت آكل الحشيش وورق الشجر حتى أشرفت على الهلاك ، ويئست من الحياة . فبينما أنا أسير إذ بصرت بقطيع غنم في ناحية من الطريق ، فملت إليها فإذا أنا بشاب حسن الوجه فقال : يا ابن العم ، أين تريد ؟ فقلت : أردت حاجة لي في بعض المدن ، وما أحسست بنفسي إلا وقد ضللت عن الطريق . قال : أجل ، إن بينك وبين الطريق مسيرة أيام ، فانزل حتى تستريح وتطمئن ، وتريح نفسك وفرسك . فنزلت ، ورمى لدابتي حشيشا ، وجاءني بثريد كثير ولبن ، ثم قام إلى كبش فذبحه ، وأجّج نارا ، وجعل يكبّب لي ويطعمني حتى اكتفيت .
فلما جنّ الليل قام وفرش لي . ثم قال : قم فأرح نفسك ، فإن النوم أذهب لتعبك ، وأرجع لنفسك .
فقمت ووضعت رأسي ، فبينما أنا نائم إذ أقبلت جارية لم تر عيناي مثلها قط حسنا وجمالا ، فقعدت إلى الفتى ، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه ما يلقى من الوجد به ، فامتنع عليّ النوم بحسن حديثهما .
فلما كان في وقت السحر قامت ورجعت إلى منزلها . فلما أصبحت دنوت منه ، فقلت له : من الرجل ؟ قال : أنا فلان ابن فلان فانتسب لي فعرفته ، فقلت : ويحك ، إن أباك لسيّد قومك ، وما حملك على وضع نفسك في هذا المكان ؟ فقال : أنا واللّه أخبرك ، كنت عاشقا لابنة عمي هذه التي رأيتها ، وكان هي أيضا لي وامقة ، فشاع خبرنا في الناس ، فأتيت عمي أن يزوّجنيها ، فقال : واللّه يا بني ما سألت شططا ، وما هي بأبرّ عنك ، ولكن الناس قد تحدثوا بشيء ، وعمك يكره المقالة القبيحة ، ولكن انظر غيرها في قومك حتى يقوم عمك بالواجب لك .
فقلت : لا حاجة لي فيما ذكرت ، وتحمّلت عليه بجماعة من قومي فردّهم . وزوّجها رجلا من ثقيف له رئاسة وقدر ، فحملها إلى هاهنا ، وأشار بيده إلى خيم كثيرة بالقرب منا ، فضاقت عليّ الأرض برحبها ، وخرجت في أثرها ، فلما رأتني فرحت فرحا شديدا ، فقلت لها : لا تخبري أحدا بي منك بسبيل . ثم أتيت زوجها ، فقال : أنا رجل من الأزد ، أصبت دما ، وإني خائف ، وقد قصدتك لما يعرف من رغبتك في اصطناع المعروف . ولي بصر بالغنم ، فإن رأيت أن تعطيني من غنمك فأكون في جوارك وكنفك فافعل . قال : نعم وكرامة ، فأعطاني مائة شاة ، وقال لي : لا تبعد بها عن الحي ، وكانت ابنة عمي تخرج في كل ليلة في الوقت الذي رأيت وتنصرف ، فلما رأى حسن حال الغنم أعطاني هذه ، فرضيت من الدنيا بما ترى .
قال : فأقمت عنده أياما ، فبينما أنا نائم إذ نبّهني وقال : يا أخا بني عامر ، قلت له : ما
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 190
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص١٩٠