تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
بذلك الكلام معها ، فقالت له : إني خرقاء يا ذا الرمة ، أي لا أحسن العمل . والخرقاء : التي لا تحسن العمل ، والصناع ضدها . والرمة : الحبل البالي . فجرى عليهما هذان الاسمان إلى هذا اليوم . وروينا من حديث الهاشمي يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، وأعدد نفسك في الموتى . وإذا أصبحت نفسك فلا تحدثها بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح . وخذ من صحتك لسقمك ، ومن شبابك لهرمك ، ومن فراغك لشغلك ، ومن حياتك لوفاتك ، فإنك لا تدري ما اسمك غدا » . قال بعض الأعراب : الموت يقتحم على ابن آدم كاقتحام الشيب على الشباب ، ومن عرف الدنيا لم يفرح بها ولا بزخارفها ، ولم يحزن فيها على بلوى ، ولا طالب أغشم من الموت ، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه ، ومن وكل به الموت أفناه . أصيب الحجاج بمصيبة وعنده رسول لعبد الملك بن مروان ، فقال : ليت أني وجدت إنسانا يخفف مصيبتي ، فقال له الرسول : أأقول ؟ قال : قل ، قال : كل إنسان مفارق صاحبه بموت أو بصلب أو بنار تقع عليه من فوق البيت ، أو يقع البيت عليه ، أو يقع في بشر ، أو يغشى عليه ، أو يكون شيء لا يعرفه . فضحك الحجاج وقال : مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حين وجّه مثلك رسولا . قال عبد اللّه بن المعتز : أهل الدنيا كصور في صحيفة كلما نشر بعضها طوي بعضها . وقال أيضا : أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام . ينظر هذا إلى قول الآخر :
فسيرك يا هذا كسير سفينة * بقوم جلوس والقلاع تطير
وقال الآخر : طلاق الدنيا مهر الجنة . وسئل أعرابي عن حال الدنيا ، فقال : هي جمة المصائب ، رتقة المشارب ، لا تمتع صاحبا بصاحب قال أبو الدرداء : ما أنصف الدنيا ، ذمّت بإساءة المسئ فيها ، ولم تحمد بإحسان المحسن فيها . غير أنه قال يوما : من هوان الدنيا على اللّه أنه لا يعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها . وهو الذي يقول فيها أيضا : إذا أقبلت الدنيا على امرئ أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه . وروينا من حديث الطفيل بن عامر العامري قال : خرجت يوما أريد الغارة ، وكنت رجلا أحب الوحدة ، فبينما أنا أسير إذ ضللت الطريق التي أردت ، فسرت أياما لا أدري أين