تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
به إلى السماء ، بعد أن صلى فيه بجميع الأنبياء ، وتبرّك بالصخرة المقدسة ، فمنها كان معراج سيد البشر ، وصلي خلفها ، فهي المكان القريب الذي ينادي المنادي منه للمنشر والمحشر ، وادخل قبة السلسلة واركع فيها ، وادع لنفسك ونفوس إخوانك بتداركها بالتوبة وتلافيها ، وصلّ في محراب زكريا ، وإياك والرياء ، وفي محراب مريم حيث دخل عليها فوجد الرزق من اللّه لديها ، وأرق في محراب داود حيث كان تسوّر الخصم ، وصلّ فيه متوسلا إلى اللّه بشرف ذلك الاسم ، وواصل بالزيارة مبدئا لها ومعيدا ، موضع نزول المائدة التي كانت لبني إسرائيل آية وعيدا ، وأسمعوا على الكفر بعد نزولها وعيدا ، ولا تمش في جميع تلك الأرض المقدسة إلا بانكسار واستحياء ، فإنك لا تخطو فيها خطوة إلا على مواطئ أقدام الأنبياء ، ولا تنس أن تتطهر في عين سلوان ، واذكر فيه من لم يحدّث نفسه عنك بسلوان ، ثم أخذت للخليل في الرحيل ، فابدأ في أول طريقك بقبر راحيل ، ثم بمولد المسيح ، وموضع مهده ، وسل من اللّه قبول مساعيك ، واستعنه واستهده ، واعطف على موضع جذع النخلة الذي هزّت به مريم فأسقط عليها رطبا جنيّا
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
، ثم المم في طريقك ، وحق لك الإلمام ، بقبر يونس ولوط عليهما السلام ، فإذا انتهيت إلى قبر الخليل ، وقبر إسحاق ويعقوب ، وقد حننت إليهم حنين الرقوب ، فهنالك تقبّل مزارك ، وتحط إن شاء اللّه أوزارك ، وخارج ذلك الحرم الخليلي على ما يذكر قبر يوسف الصديق ، واللّه أعلم بالتحقيق ، فإذا قضيت بحول اللّه عز وجل وقوته من زيارة جميع تلك الآثار المقدسة إربك ، فلا تذكر بعدها مغربك ، فقد منّ اللّه عليك بتجديد عهد الوفادة عليها ، والنظر إليها ، وما ذكرتها لك على هذا النسق إلا تبرّكا بذكراها ، وتشوّقا للعودة الثالثة عسى نجدد العهد الكريم بها وأراها ، واستطابة للحديث معك فيها لأنك تعرف بالمعاينة معناها ، وليس من درى حقيقة الشيء كمن لا يدريه ، وأين شوق آدم للجنة من شوق بنيه ؟ فعد إلى حرم اللّه العظيم ، وألق فيه عصا تسيارك ، وقر عينا بمآل اختيارك ، وأقم بقية عمرك فيه مستوطنا ، والنية الصادقة الخالصة للّه عز وجل مستبطنا ، وقل رب تركت من إخواني عبيدا مشتاقين للعودة إلى حرمك ، متوسلين إليك في ذلك بفضلك وكرمك ، فسهّل بعزّتك وقدرتك مرامهم ، وسكّن بالوصول إلى كعبتك المقدسة المشرّفة غرامهم ، وعرّفهم معاهدهم الكريمة بعرفات ، والمشعر الحرام ، وشرّفهم بالمثول فيها قبل أن تقضي على مدتهم بالانصرام ، وتفجأ أعمارهم قواطع الاخترام ، إنك سبحانك مولى المنن الجسام ، ومقدّر الحظوظ السنيّة لعباده والأقسام ، واقرأ عليك أيها الأخ الأسنى ، المختوم له إن شاء اللّه بالحسنى ، سلاما أعطر من الزهر عند الابتسام ، يتلقاه مسك دارين بالتنشق والابتسام ، ورحمة اللّه وبركاته .