فإذا اجتزت بقبر أم المؤمنين ميمونة بسرف ، فامسك عنانك وقف ، واسكب دمعك فيه رحمة واذرف ، ففي ذلك الموضع كاتبها ، وابتنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بها ، وفيه قضيت وفاتها ، ومنه تجيء زمرتها الطاهرة ورفاتها ، ثم عج في طريقك على خيمة أم معبد ، فقد حازت بحلول الرفيقين الكريمين فيها شرف الذكر آخر الأبد .
وإذا جئت بدرا فحيّ شهداءه بالسلام ، فهو أول مشهد نصر اللّه فيه الإسلام ، حتى إذا بدت لك أعلام المدينة ، فأبشر باحتلالك البلد الذي أظهر اللّه فيه دينه ، فإذا مررت بمسجد ذي الخليفة فعرّج عليه ولا تعرج عنه ، وحيّه بركعتين فهو المسجد المبارك الذي أحرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منه ، حتى إذا جزت وادي العقيق فهنالك انزل وامش كرامة لمن حل في ذلك المنزل ، وادخل على اسم اللّه ، وعليك الوقار والسكينة ، واكس الخضوع والخشوع نفسك المسكينة ، فإذا دخلت مسجد الشفيع الرفيع فاقصد بعد ركعتي التحية روضة سيد دار السلام بالسلام ، وأمثل قبالة وجهه الكريم ، وحيّه صلى اللّه عليه وسلم بأفضل التسليم ، والزم هنالك أدب التوقير والتعظيم ، وقف ، وإياك أن تلمس الجدار وتلثم ، فقد نهى عن ذلك ، ولعلّ فاعله أن يأثم ، وسلم على الصديق ، والفاروق ، وزيريه وصاحبيه ، وقم كالمسين بين الكريمتين يديه ، فغدا ترجو الشفاعة لديه ، وإنه سلام أولئك إليه صلى اللّه عليه وسلم ، وحافظ على الصلاة بين قبره ومنبره عليه السلام ، فبينهما روضة من رياض الجنة ، وألمس الدرجة المباركة الباقية من المنبر الكريم موقف القدمين المقدّستين ، واتخذ التبرّك بلمسها جنة ، وطف على تلك المنازل الكريمة والديار ، واستقر مواطن البررة الأخيار ، وزر قبور أمهات المؤمنين وروضة العباس والحسن رضوان اللّه عليهم أجمعين ببقيع الفرقد ، وإن أضرم الوجد عليهم نار الحزن بين جوانحك وأوقد ، وحدّث نفسك باللحاق السريع بهم فكان قد عرّج في آخر البقيع على روضة ذي النورين عثمان بن عفان ، ومل إلى روضة فاطمة بنت أسد أم علي السابق إلى الإيمان ، ولا تنس عن يسارك إذا خرجت على باب البقيع قبر العمة الطاهرة صفية ، أم الزبير الذي كان حواري الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصفية ، وامش إلى قباء مظهر الأسوة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والاقتداء ، وزر بأحد عم المصطفى حمزة والشهداء ، فإذا أذن بالارتحال ، فأمل أن تجمع في الزيارة بين المساجد الثلاثة التي لا تشدّ إلا إليها الرحال ، مؤثرا سلوك المحجة البيضاء من السنّة ، ملتمسا بركة الحديث المأثور : « من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة » ، والضامن ملي ، وهو صلى اللّه عليه وسلم بالمؤمنين ولي ، فاعمل ركابك إلى المسجد الأقصى ، واستقصي الطواف بجميع آثاره المقدسة ، فمثلك من استقصى ، وإن استطعت الإحرام منه أولا ، فهو أفضل عمل صالح يدّخر ، وقد ورد فيه حديث بمغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر ، حيث اختص المصطفى صلى اللّه عليه وسلم بالإسراء ، وعرج
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 185
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص١٨٥