تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فإذا اغتسلوا وتطهروا للجمع بين الظهر والعصر في مسجد إبراهيم ، فهم أيها الأخ الأكرم في تلك المسالك المباركة وجدا وشوقا فحقّ أن تهيم . وهنالك لا تنس أخاك ، وحاشاك أن تنساه ، وواسه بدعوة ، فمثلك من واساه . ثم اجتمعوا مع العشي بإزاء موقف النبي صلى اللّه عليه وسلم عند الصخرات ، وقد ارتفعت بالتهليل والتكبير والتلبية الأصوات ، وأسيلت العبرات ، وصعدت الزفرات ، وأثيرت بازدحام الركائب الغبرات ، وقد واجهوا الكعبة المقدسة واستقبلوها ، ورجوا الرحمة من اللّه عز وجل وأملوها ، واقفين شعثا غبرا ، لا يرى منهم إلا ذو مقلة عبرا ، يتذكرون بذلك الموقف العظيم موقف الحشر فما يستطيعون صبرا ، باسطو أيديهم لمولاهم الكريم الكفيل بارتقابهم ، يتضرعون إليه في فكاك رقابهم ، وحط أوزارهم التي حملوها باحتقابهم ، يباهي بهم اللّه عز وجل ملائكة السماء . ويقول : اشهدوا بأني قد رحمتهم فأنا أرحم الرحماء . وقد غصّت بذلك الجمع الأرض الأريضة ، والشمس تجنح للغروب مريضة ، حتى إذا وجبت ، حلت الإفاضة ووجبت ، فوصلوا مع الليل جمعا ، وقرنوا به بين المغرب والعشاء جمعا ، ومسجده المبارك قد استنار مشاعل وشمعا ، ولكثرة الضجيج والعجيج لا يستطيع أحد سمعا ، ولا تملك العيون دمعا ، وباتوا يتلفظون ويكسرون حصا الجمار ، وكلّ مسرور بسميره تلك الليلة ، فيا شرف تلك الأسمار ، وعند الأسفار وقفوا داعين ، ثم أفاضوا إلى منى مسرعين ، وأجازوا وادي محسّر بالنّظّ والرّمل ، فائزين من اللّه عز وجل بالصنع الأجمل ، مقتدين بما ورد في ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من العمل ، فرموا جمرة العقبة المحللة ، ونفوسهم منبهجة متهللة ، ثم انقلبوا للحلاق ، والتقرب بالدم المهراق ، إلى المهيمن الخلاق ، وبعد ذلك ساروا الطواف الإفاضة ، لابسين من التقوى خير مفاضة ، ثم عادوا محلّين قد أتموا الحج ، وقضوا الثجّ والعجّ ، وأقاموا متنعمين أيام منى بالأكل والشرب ، وكل منهم قد أصبح آمن السّرب ، يرمون في كل يوم في محصّب الجمار الثلاث إحدى وعشرين جمرة ، والشوق يلهب في أحشائهم جمرة ، وأكثر الناس مع ذلك في بيعهم وشرائهم في غمرة ، وأهل الانقطاع إلى اللّه ، وتجار الآخرة في مسجد الخيف مقيلهم ، وذكر اللّه قيلهم ، يسألون ربهم الإقالة ، والرب بكرمه يقيلهم ، مثابرين على التهليل والتسبيح ، ظافرين بالمتجر الرّبيح ، ملمّين بزيارة موضع الذّبيح ، ثم تعجّلوا في يومين بالنفر ، فهنيئا لك أيها الأخ الكريم كونك في أولئك السفر ، فإذا تأهبت للزيارة الطيبة ، وطفت طواف الوداع ، فاستودع اللّه دينك وأمانتك ، فهو أهل الإيداع ، وسر على بركة اللّه ،
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 184 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي