وربوعك ، ثم اركع ركعتي الطواف خلف المقام ، وادع لمن بعدك بالمقام ، وتعلق بالأستار داعيا عند الملتزم ، وتضلع عند شربك من ماء زمزم ، وانو فيه نيّة من أخلص للّه عمله ، فماء زمزم لما شرب له ، ثم اجعل خروجك على باب الصفا والمروة ، وقف على درجاتها ، وادع بخلاص نفسك ونجاتها ، ثم انحدر في وادي إبراهيم عليه السلام ، فإذا بلغت الميل الأخضر فخذ في الرمل أخذ المجد إذا أحضر ، فإذا أتممت السعي فبادر بالحلاق ، وتجنب التقصير ، فللمحلقين وجبت الدعوة النبوية وجوب استحقاق ، فإن لم تكن معرفا فأخرج متى شئت للتنعيم ، واحرم من مسجد عائشة رضي اللّه عنها بعمرة ، وقل : طوبى لمن أفنى في هذه الأحوال السنيّة ، والمشاعر المرضية ، عمرة ، ولازم الحجر الكريم ، وقف داعيا تحت ميزابه ، وتذكر إخوانك بالدعاء ، وكلما أسلفت من خير تجزى به ، وصلّ على الرخامتين الخضراوين فهما علامتا قبري إسماعيل وأمه هاجر ، وقل : الحمد للّه الذي جعلني ممن انقطع إلى حرمه المعظم وهاجر ، وإذا فتح باب الكعبة المعظمة المكرّمة فكن فيها أول داخل ، وأول خارج ، وهنئ قدميك تربيهما في تلك المدارج وتوخّ مصلى النبي صلى اللّه عليه وسلم متوسلا إلى اللّه ذي المعارج ، واستدع معاينة المقام الكريم عند باب الرحمة ، وقيل فيه ، واشرب ماء زمزم في أثر القدمين المباركين ، فطوبى لمن باشرهما بغية .
وفي أثناء مقامك تعهد المعاهد الشريفة والآثار ، وحرّك فيها شوقك المثار ، وزر المولد المقدّس المبارك ، واجعل فيه نظرك واعتبارك ، والمم بدار الخيزران وسائر تلك المنازل الشريفة والمواطن .
وصل بما أمكنك من الصدقة كل ثاو فيها وقاطن ، وزر القبور الطاهرة بالمعلّى ، واعل على جبل أبي قبيس وقيقعان ، فحقّ أن يشرف عليهما ويعلى . واقصد جبل حراء ، واصعد في ذروته ، ففيه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أول علامات نبوّته . وارقأ جبل ثور ، ولج الغار ، وتذكر ثاني اثنين إذ هما فيه ، فنفس كل جبل عليه وغار . حتى إذا ظلّ شهر ذي الحجة ، وأحرم وفود اللّه لهلاله ، وبدا كل واحد بإهلاله ، وارتفعت بالتلبية الأصوات في أعقاب الصلوات ، وأقاموا على التلبية ، متأهبين ليوم التروية ، فيا لك من يوم تسابق فيه إلى منى بالصعود ، واستبشروا بمطالع السعود . فتعدّوا منى إلى عرفات ، موقنين برحمة اللّه عز وجل ومنازل الآمن في الغرفات ، مرتفعين عن بطن عرفة ، علما بأن من وقف فيه فقد ذهب حجه عامه ذلك وفات . ثم أصبحوا يوم عرفة وقد جلّلت الأرض فساطيط أهل العراق ، وسائر الآفاق ، كأنها قطع أزهار ذات ألوان ، صنوان وغير صنوان ، تخال البسيطة منها في بستان . فارتقوا جبل الرحمة ، ثم نزلوا إلى دار آدم يسألون ربهم المغفرة والرحمة . وفي أثناء ذلك ابتاعوا قرابينهم المتقبّلة ليأكلوا منها ، ويجعلوا بقاياها على البائس الفقير مسبلة ،
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 183
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص١٨٣