تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤

مرافقة المتّقين الأخيار في الأسفار

حدثنا عبد الرحمن بن علي ، نبأ عبد الوهاب الحافظ ، انا المبارك بن عبد الجبار ، نبأ علي بن أحمد الملطي ، نبأ ابن دوست ، نبأ ابن صفوان ، نبأ القرشي ، نبأ محمد بن الحسين ، حدثنا بعض أصحابي قال : جاءني بهيم العجلي فقال : تعلم لي رجلا من جيرانك وإخوانك يريد الحج ترضاه لمرافقتي ؟ قلت : نعم ، فذهبت به إلى رجل به صلاح ودين ، فجمعت بينهما ، وتواطآ على المرافقة ، ثم انطلق بهيم إلى أهله ، فلما كان بعد أتاني الرجل فقال : أريد أن تزوي عني صاحبك ، ويطلب رفيقا غيري . فقلت : ولم ؟ فو اللّه ما أعلم بالكوفة له نظيرا في حسن الأخلاق والاحتمال . قال : حدثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفترّ ، فهذا ينغّض علينا العيش . فقلت له : إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة ، أو ما تبكي أنت ؟ قال : بلى . ولكنه بلغني أنه أمر عظيم من كثرة بكائه . قلت : اصحبه فلعلك أن تنتفع به . قال : أستخير اللّه . فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل ، فوطئ لهما ، فجلس بهيم يبكي في ظل حائط ، فوضع يده تحت لحيته ، وجعلت دموعه تسيل على خدّيه ، ثم على لحيته ، ثم على صدره ، حتى واللّه رأيت دموعه على خدّيه ثم على الأرض . فقال لي صاحبي : يا مخول ، قد ابتدأ صاحبك ، ليس هذا لي برفيق . فقلت له : ارفق لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم . فسمعها بهيم فقال : يا أخي ، واللّه ما هو ذاك ، وما هو إلا أني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة ، وعلا صوته بالنحيب ، فقال لي صاحبي : ما هذا بأول عداوتك لي ، ما لي ولبهيم ؟ إنما كان ينبغي أن ترافقوا بين بهيم وبين داود الطائي وسلام أبي الأخوص ، حتى يبكي بعضهم إلى بعض فيستشفون أو يموتون . فلم أزل أرفق به ، وأقول له : لعلها خير سفرة سافرتها ، وكل ذلك لا يعلم به بهيم ، ولو يعلم ما صاحبه ، فخرجا وحجّا ورجعا . فلما جئت أسلّم على جاري قال لي : جزاك اللّه عني يا أخي خيرا ، ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بكر ، كان واللّه يتفضل عليّ في النفقة وهو معدوم وأنا موسر ، وفي الخدمة وأنا شابّ وهو شيخ ، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم . قلت : كيف كان أمرك معه في الذي تكرهه من طول البكاء ؟ قال : واللّه ألفت ذلك البكاء ، وسرّ قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذي بنا الرفقة ، ثم ألفوا ذلك ، فجعلوا إذا سمعونا نبكي يبكون ، وجعل بعضهم يقول لبعض : ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منّا ، والمصير واحد ؟ فيبكون ونبكي . ثم خرجت من عنده وأتيت بهيما ، وقلت : كيف رأيت
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 174 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي