يا سائق العيس ترفّق واستمع * مني وبلّغ إن وصلت عني
وقف بأكناف الحجاز ناشدا * قلبي فقد ضاع الغداة مني
وقل إذا وصلت نحو أرضهم * ذاك الأسير موثق بالحزن
عرّض بذكري عندهم عساهم * إن سمعوك سائلوك عني
قل ذلك المحبوس عن قصدكم * معذّب القلب بكل فنّ
أقول قد أمّلت أن أزوركم * في جملة الوفد فخاب ظني
أقعد في الجدلان عن قصدكم * ورمت أن أسعى فلم يدعني
ومن وقائع بعض الفقراء
ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي ، قال : رأى بعض المريدين في الواقعة شيخنا أبا مدين وجملة من الصوفية قد أحدقوا به ، فقال بعضهم لأبي مدين : ما معنى سر السر وحقيقة الحقيقة ؟ فقال : هو محل الأسرار ، وعند حقيقته عجزت الأوهام والأفكار ، وطاشت عقول ذوي الأبصار ، إذ العقول لا تعدو طورها ، ولا تعرف حدها ، جهل ذلك من جهله ، وعلمه من علمه ، فلا يدرك الحق إلا الحق ، ولا يعرف الحق إلا بالحق . فهذه خلقي وخليقتي ، وعلى هذا انطوت حقيقتي . فالتشوّق إلى هذا مما لا يدرك ، والخوض فيه واجب أن يترك .
فقال له السائل : أسألك عن التوحيد ما هو ؟ فقال : التوحيد همتي ، وهو شريعتي وسنّتي . التوحيد هو الغاية القصوى ، والملجأ والمأوى . هو الأساس الذي قام به الوجود ، وعليه فترة كل مولود . لكن الناس فيه على مراتب ، فمنهم القريب ، ومنهم الصاحب .
فالرتبة العليا هي الترقّي من الأسماء والصفات إلى توحيد الذات . هناك أفنيت عمري ، وأتعبت خاطري وفكري ، إلى أن نلت منه المعنى ، ولاحظت ذاك الجمال الأسنى . وذلك بمنّ اللّه سبحانه ابتداء وانتهاء
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
. ثم قال :
عمرت سرّي بك فأحييتني ، ومما سواك أبعدتني ، وبك عن الكونين أثنيتني ، وبالفضل منك ألهمتني . فأنا الفقير وأنت الغني . ثم قال للسائل : اسمع مخلوقاته بعزّ كبريائه مذلولة ، والأشياء كلها من العرش إلى الثرى معلولة ، إذ هو سبحانه مذلّها بالقهر ، وقاهرها بالأمر ، ومصرّفها بقدرته فيما نفع وضرّ . قدرته في الثرى كقدرته في العرش والسماء ، وهو معكم أينما كنتم . أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم . على العرش استوى ، وهو خالق العرش والثرى وما