بينهما . فالكل قائم به ، وممسوك بقدرته ولطفه . وما من ذرّة فما فوقها إلا وهو معها ، معية ليست بحلول وانتقال ، ولا تغيّر ولا زوال ، فالمخلوقات بأسرها ظل ، وهو سبحانه وتعالى حقيقة الكل .
ومن باب محاسن الكلام
ما قال الفضل بن سهل للمأمون ، وقد سأله حاجة لبعض بيوتات سمرقند ، وكان وعده تعجيل نفاذها ، فتأخر عن ذلك ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، هب لوعدك مذكرا من نفسك ، وهب سائلك حلاوة نعمتك ، واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم ، وحاثا على اصطفاء شكر الطالبين ، تشهد لك القلوب بحقائق الكرم ، والألسن بنهاية الجود .
فقال المأمون : قد جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم ، وأخذك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير استثمار ولا معاودة .
وقال الفضل بن سهل للمأمون : يا أمير المؤمنين ، اجعل نعمتك صائنة لوجوه خدمك عن إراقة مائها في غضاضة السؤال .
فقال المأمون : واللّه لا كان ذلك إلا كذلك .
وصية بخلق كريم
روينا من حديث ابن مروان قال : أنشدنا المبرّد :
إذا اعتذر الصديق إليك يوما * من التقصير عذر أخ مقر
فصنه عن عتابك واعف عنه * فإن العفو سيمة كل حرّ
حدثنا يونس بن يحيى ، نبأ محمد بن ناصر ، عن الحسن بن أحمد ، عن محمد بن أحمد ، عن محمد الورّاق ، عن خالد بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن بشر بن الحارث قال : رأيت على جبل عرفة رجلا قد حكم عليه الوله وهو يقول :
سبحان من لو سجدنا بالعيون له * على سنا الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من مشعار نعمته * ولا العشير ولا عشر من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه * سبحانه من مليك نافذ القدر
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به * في جوف ليلي وفي الظلما وفي السحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي * من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري