ثم يتغافل عنّا . قال : فأقبل عليّ فقال : انطلق بنا ، فخرجنا حتى أتينا دار الدقيق ، فأخرجنا عدلا من دقيق وكبة من شحم ، فقال : احمله عليّ ، فقلت : أنا أحمله عنك ، فقال : أنت تحمل وزري ؟ لا أمّ لك ، فحمّلته عليه ، فانطلق وانطلقت معه إليها أهرول ، فألقى ذلك عندها ، وأخرج من الدقيق شيئا وجعل يقول لها : درّي عليّ وأنا أحرّك لك . وجعل ينفخ تحت القدر ، ثم أفرغها في صفحة ، وقال : أطعميه للصبية ، ولم يزل حتى شبعوا ، وترك عندها فضل ذلك .
فجعلت تقول : جزاك اللّه خيرا ، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين . فيقول :
قولي خيرا ، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك . ثم تنحّى ناحية وربض كالأسد .
فقلت : لك شأن غير هذا ؟ فلم يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرخون ، ثم ناموا وهدوا .
فقال : يا أسلم ، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم ، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت .
سؤال معاوية لضرار أن يصف عليّا رضي اللّه عنهم
روينا من حديث ابن باكويه قال : نبأ عبد اللّه بن فهد بن إبراهيم الساجي قال : نبأ محمد بن زكريا بن دينار ، نبأ العباس بن بكار ، نبأ عبد الواحد بن أبي عمرو الأسدي ، عن الكلبي ، عن أبي صالح قال : قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة :
صف لي عليّا ، قال : أو تعفيني ؟ قال : لا أعفيك . قال : أما إذ لا بد ، إنه واللّه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . كان واللّه غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما خشب .
كان واللّه كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ويتجنى . واللّه مع تقريبه لنا ، وقربه هنا ، لا نكلمه هيبة ، ولا نبتديه لعظمته عندنا . إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف في عدله . فأشهد باللّه لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين . فكأني أسمعه يقول :
يا دنيا يا دنيا ، إليّ تعرّضت ، أم إليّ تشوفت ؟ هيهات هيهات ، غرّي غيري ، قد