تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩

حديث ملك متقدم

حدثنا يونس ، عن محمد بن ناصر ، انا محفوظ بن أحمد ، انا محمد بن الحسين ، نبأ المعافى ، انا عبد اللّه بن محمد بن جعفر ، نبأ أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن القاسم ، عن هاشم ، نبأ الحكيم بن هاشم ، عن صفوان بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه الخزاعي ، أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس في أيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم ، قد احتفروا قبورا ، فإذا أصبحوا تعاهدوا تلك القبور ، فكنسوها ، وصلوا عندها ، ورعوا البقل كما ترعى البهائم . وقد قيّض اللّه لهم من ذلك معاشا من نبات الأرض . فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم ، فقال الرسول : أجب الملك ذا القرنين ، فقال : ما لي إليه حاجة ، فأقبل إليه ذو القرنين فقال : إني أرسلت إليك لتأتيني فأبيت ، فها أنا ذا قد أتيتك . فقال : لو كانت لي إليك حاجة لأتيتك . فقال له ذو القرنين : ما لي أراكم على الحالة التي رأيت لم أر أحدا من الأمم عليها ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : ليس لكم دنيا ولا شيء ، أفلا اتخذتم الذهب والفضة فاستمتعتم بها ؟ قالوا : إنما كرهناها ، لأن أحدا لم يعط منها شيئا إلا تاقت نفسه إلى أفضل منه . فقال : ما بالكم قد احتفرتم قبورا فإذا أصبحتم تعهّدتموها وكنستموها وصليتم عندها ؟ قالوا : أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا الدنيا منعتنا قبورنا من الأمل . قال : وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض ، أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وذبحتموها واستمتعتم بها ؟ فقالوا : إنّا رأينا أن في نبات الأرض بلاغا . ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين ، فتناول جمجمة ، فقال : يا ذا القرنين ، أتدري من هذا ؟ قال : لا ، من هو ؟ قال : هذا ملك من ملوك الأرض ، أعطاه اللّه سلطانا على أهل الأرض ، فغشم وظلم وعتا . فلما رأى ذلك منه جسمه بالموت فصار كالحجر الملقى ، قد أحصى اللّه عمله عليه ، حتى يجزيه في آخرته . ثم تناول جمجمة أخرى بالية فقال : يا ذا القرنين ، أتدري من هذا ؟ قال : ومن هذا ؟ قال : ملك ملّكه اللّه بعده ، قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الظلم والتجبّر ، فتواضع وخشع للّه عز وجل ، وعمل بالعدل في مملكته ، فصار كما ترى قد أحصى اللّه عليه عمله حتى يجزيه في آخرته . ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال : وهذه الجمجمة كان قد كانت كهاتين ، فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع . فقال له ذو القرنين : هل لك في صحبتي فأتخذك وزيرا وشريكا فيما أتاني من هذا المال ؟ فقال : ما