تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فإن أعط ليلى في حياتي لم يتب * إلى اللّه خلق توبة لا أتوبها
حتى إذا كان بمنى نادى مناد من بعض تلك الخيام : يا ليلى ، فخرّ قيس مغشيا عليه ، واجتمع الناس حوله ، ونضحوا على وجهه الماء ، وأبوه يبكي عند رأسه . ثم أفاق وهو يقول :
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيّج أطراب الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري
أخبرني بعض الأدباء في تلطف محبته ورقّة معناها ، أنه قرب يوما من حيّ ليلى في واد كثير الثلج في زمن البرد ، وهو يأخذ الجليد فيلقيه على فؤاده ، فتذيبه حرارة الفؤاد . فرآه نسوة من الحي ، فجاء بعض فتيات الحي إلى ليلى فأخبرنها بما رأين من أمر قيس ، فخرجت مسرعة معهن حتى أشرفت عليه وهو على تلك الحالة ، وهو ينادي : ليلى ليلى ، فرمت بنفسها وعانقته وضمّته ، وقالت : أنا بغيتك ، أنا مطلوبك ، أنا قرّة عينك . فنظر إليها وتأوّه ، فكادت الزفرة تحرقها ، وقال لها : إليك عني ، فإن حبك شغلني عنك . وأخذ في ولهه ينادي : ليلى ليلى . ولنا في هذا المعنى :
شغل المحبّ عن الحبيب بحبّه * هذا يعلّ وذاك ليس يعلّل لولا الخيال له وبرد وصاله * أضحى بنيران الهوى يتحلل
ولبعض الناس في ذلك :
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي * أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هذا يبرّد برد الماء ظاهره * فمن لحرّ على الأحشاء يتّقد
ثم ولّت في أترابها تطلب الحي خوفا من أهلها ، وهي تقول :
تنفّست الغداة وقد تولّت * وعيسهم معارضة الطريق فنادوا بالحريق ففاض دمعي * فعادوا بالحريق وبالغريق
ومن باب كتمان الهوى قوله :
باح مجنون عامر بهواه * وكتمت الهوى فمتّ بوجدي فإذا كان في القيامة نودي * من قتل الهوى تقدمت وحدي
ومن باب النّفر من منى :
غدا النفر فانظر ما يكون من النفر * غدا فرقة الأحباب هل لي من صبر