سبحانك ولا أشكرك . فعاتبه بعض الطائفين في ذلك ، فقال : إنه أعطاني الفقر ، فإن شكرته عليه أخاف من زيادة فقري ، فإن وعده حق ، ثم انصرف . فلما جاءت السنة الثانية رؤي حسن الهيئة ، وهو يحسن الثناء والشكر على اللّه ، فقيل له : فأين هذا من ذاك ؟ فقال :
إنه سبحانه أنعم عليّ بالخير بالشاء والإبل ، فأشكر للزيادة فإن وعده حق .
قال بعضهم : من أحبّ بقاء عزّه فليسقط دالته ومكره .
محل صنائع المعروف
في الحكمة الأولى : المعروف إلى الكرام يعقب خيرا ، وإلى اللئام يعقب شرا .
ومثل ذلك : المطر يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤا ، ويشرب منه الأفاعي فيعقب سمّا .
حكاية : ذكر أن جماعة من الأعراب أثاروا ضبعا ، فدخلت خباء شيخ ، فقصدوها ، فخرج إليهم فقال : ما بغيتكم ؟ قالوا : جارك ، قال : أما إذ قد سميتموه جاري فإن هذا السيف دونه . فتركوه . وكانت الضبع هزيلا فأحضر لها من لقامه ، وجعل يسقيها حتى عاشت ، فنام الشيخ فوثبت عليه فقتلته . فقال شاعرهم في ذلك :
ومن يصنع المعروف مع غير أهله * يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أقام لها لما أناخت ببابه * لتسمن ألبان اللقاح الدرائر
فأسمنها حق إذا ما تمكنت * فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من * يعود بإحسان إلى غير شاكر
يا أخي ، أما لك فيما ترى معتبر ؟ اللّه يرسل نعمته على عبديه فالكريم منهما يطيعه بها ، واللئيم منهما يستعين على معصيته بها .
يقول سفيان : وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام .
يحكى عن بعض الأعراب أنه أخذ جرو ذئب عندما ولد قبل أن يعرف أمه ، فاحتمل إلى خبائه وقرب له شاة ، فجعل يمتص من لبنها حتى كبر وسمن ، ثم شدّ على الشاة فقتلها . فقال الأعرابي في ذلك :
غذّتك شويهتي ونشأت عندي * فما أدراك أن أباك ذيب
فجعت نسيبتي وصغار قوم * بشاتهم وأنت لهم ربيب
إذا كان الطباع طباع سوء * فما يجدي التحفظ والأديب