غضب السلطان على جماعة من العلماء خرجوا عليه ووقعوا فيه ، فلما ظفر بهم أمر بقتلهم ، فبلغ الخبر شيخنا أبا مدين رحمه اللّه ، وكان مرعي الجانب عند السلطان والخاصة والعامة ، فأخذ عصاه وخرج ، فلما جاء دار السلطان أبصر القوم على تلك الحالة فبكى ، وأخبر السلطان بمكانه فتلقاه ، وقال : ما جاء بالشيخ في هذا الوقت ؟ فقال : الشفاعة في هؤلاء . فقال السلطان : أو ما تعرف يا شيخ إساءتهم ؟ فقال : يا أبا علي ، وهل على المحسنين من سبيل ؟ وهل الشفاعة إلا في أهل الكبائر من المسيئين ؟ فاستعبر السلطان وعفا عن الجميع ، وانصرف .
قرأنا في الخبر الأول أن الخليل عليه السلام اتفق له قضيتان متعارضتان : أدب في الواحدة وشكر في الأخرى ، فإن اللّه تعالى هو متولي أدب عباده الصالحين . أما التي شكر عليها فمن هذا الباب ، وذلك أنه عليه السلام نزل به رجل من عبدة الأوثان ، فأضافه الخليل وأكرمه ، فضجت الملائكة في السماوات ، وقالوا : ربنا خليلك يضيف عدوّك ، فقال لهم :
جلّت قدرتي يا ملائكتي ، أنا أعلم بخليلي منكم . ثم أمر جبريل عليه السلام فنزل ، وعرض عليه قول الملائكة . فبكى إبراهيم عليه السلام وقال له : يا جبريل ، قل لمولاي منك تعلّمت الكرم ، يشير إلى حكاية الأدب التي أسوقها بعد هذه إن شاء اللّه تعالى ، رأيتك تحسن إلى من أساء فتعلّمت منك .
وأما حكاية الأدب ، فنزل له عليه السلام رجل من عبدة الأوثان ، فاستضافه ، فقال له إبراهيم : لا أضيفك حتى تسلم ، فأبى عليه وانصرف ، فأمر اللّه جبريل أن ينزل على إبراهيم عليهما السلام ، فقال له : يا إبراهيم ، يقول لك ربك : استضافك عبدي فشرطت عليه أن يترك دينه من أجل لقمة يأكلها عندك ، وأنا أرزقه منذ ثمانين سنة على شركه ، فلما أبى تركته . قال : فبكى إبراهيم ، ثم قام يقفو أثر الوثني إلى أن لحق به ، فعرض عليه الرجوع ، فأبى عليه أو يخبره بسبب ذلك ، فقال له إبراهيم عليه السلام : إن اللّه عاتبني فيك ، وقال لي ذيت وذيت ، فبكى الوثني وقال : يا إبراهيم ، أسلمت لرب العالمين . فأسلم الوثني هذا نتيجة الكرم .
وأنشد بعضهم :
أطعمتني بالجود حين بدأتني * أفلا أؤمّل نعمة الإتمام
حاشى الكريم إذا تفضّل منعما * مما يشين محاسن الإنعام
وفي معنى هذين البيتين ما سمعت شيخنا ابن الشحنة بإشبيلية وهو يقول لرجل ، وما رأيت رجلا قط أحسن شيبة ولا وجها منه ، ودموعه قد أخضلت لحيته : يا أخي ، حاشا