سبحان من أظهر الجميل ، وستر القبيح . وأنشدنا :
جعلت توسّلي دمعي وذلّي * ومثلي من توسّل بالدموع
وبالحزن الشديد ووضع خدّي * على أرض التنصّل والخضوع
عسى المولى يجود بكشف ضرّي * ويقضي بالإنابة والرجوع
قال ابن عطاء : إذا تنفّس العبد افتقارا وذلا ، هتك بذلك النّفس كل حجاب حال بين سرّه وبين مشاهدة ربه . يؤيد هذا القول في باب المعرفة : من عرف نفسه عرف ربّه .
قال القائل :
لبست ثوب الرّحا والناس قد رقدوا * وقمت أشكو إلى مولاي كما أجد
وقلت يا أملي في كلّ نائبة * ومن عليه لكشف الضّرّ أعتمد
أشكو إليك ذنوبا أنت تعلمها * ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذّلّ صاغرة * إليك يا خير من مدّت إليه يد
فلا تردّنها يا ربّ خائبة * فبحر جودك يروي كلّ من يرد
وقال الآخر :
إليك قصدي بفقري لا إلى أحد * فخذ بفضلك من بحر الهوى بيدي
وانظر إليّ فكم أوليتني حسنا * ما مرّ يوما على بالي ولا خلدي
يا من أجاب دعائي بعد معصيتي * ومن عليه وإن أخطأت معتمدي
حكى لنا بعض شيوخنا أن الحسن بن هانئ الشهير بالمعاصي رآه بعض أصحابه في النوم ، وهو على حالة حسنة ، فقال له ، وقد أنكر في نفسه ما رآه من حسن حاله ، مع ما يعرفه من خبث سيرته : ما فعل اللّه بك يا أبا نواس ؟ قال : غفر لي ، وصيّر حالي إلى ما ترى . قلت : فهل تعرف لذلك سببا سوى جوده سبحانه ؟ فقال : يا أخي ، من جود اللّه وعظيم منّته أن وقفني قبل أن يقبضني إلى أبيات عملتها في حالتي بقلب منكسر ، وحسن ظن بمن لجأت إليه في وقت ضرورتي ، فقبل ذلك مني ، وغفر لي . قال : فقلت : أنشدني إياها . قال لي : تراها في تحت وسادتي . فاستيقظت ، وجئت البيت ، واستأذنت ، فرفعت الوسادة التي كانت تحت رأسه ، فإذا بالرقعة تلوح ، فتناولتها ، فإذا فيها :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن * فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل ظني ثم إني مسلم