عرف ربه فأطاعه ، وعرف عدوّه فعصاه ، وعرف دار إقامته فأصلحها ، وعرف سرعة رحيله فتزوّد لها . ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى ، وخير العمل ما تقدمته النية ، وأعلى الناس منزلة أخوفهم منه » .
ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى
ما حدثنا عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي قال : قال لي بعض أصحاب أبي مدين :
رأيت في الواقعة الشيخ أبا مدين ، وهو في قبة من نور ، وقد أحدق المريدون بتلك القبة ، وهم لا يرونه ، فخاطبهم من باطن القبة فقال لهم : من عنده من يراني به فليراني ، فقال له بعض الحاضرين : إني أراك ، فقال : بم رأيتني ؟ فقال له : أمدّ نورك نوري فرأيتك . فقال عند ذلك الشيخ : لا يرى صديقا إلا صديق ، ولا نبيّا إلا نبي ، ولا رسولا إلا رسول ، ولا ملكا إلا ملك . فالمحسوسات لا معنى لها من نفسها ، إذ هي المستمدة من غيرها ، والوقوف مع الأجسام قصور وعيّ ، ولا يرى من ليس كمثله شيء ، فالمحسوسات إنما تواجه من له مكان وجهه ، واللّه سبحانه وتعالى عزّ أن يرى بهذه الصفة ، فنحن في هذه الدار الفانية ، كمثل قواديس السانية ، وأصل الرؤية قوة الإيمان ، وبقدر ما يصحب كل أحد منه يكون العيان ، إذ الحق سبحانه لا يحويه حجاب تعالى عن ذلك ربّ الأرباب ، والحجب صفة البشر ، وبقوة أسرار القلوب وضعفها يكون النظر ، ففي بدائع صنع اللّه ما يعجز الأوهام عن وصفه ، وتكلّ الأفكار عن الإحاطة بكنه علمه .
فالأرضون وما منها ظلمات ، وإنما أضاءت بنور السماوات ، فما من أرض إلا ولها سماء تحييها بما تنزل عليها من الماء .
ومن سماعنا على قول الرضي بالقلب :
ترى النازلين بأرض العرا * ق قد علموا أن وجدي كذا
دنا طربا والهوى نازح * فيا بعد ذاك ويا قرب ذا
وسماعنا على قول الأشجع بالسرّ :
ألا ليت حيّا بالعراق عهدتهم * ذوي غبطة في عيشهم وأمان
يرون دموعي حين يشتمل الدجى * عليّ وما ألقى من الحدثان
أمن بئر ميمون تحنّ صبابة * إلى أهل بغداد وتلك أماني
بعدت وبيت اللّه عمّن تحبّه * هواك عراقيّ وأنت يماني
إذا ذكرت بغداد لي فكأنما * تحرّك في صدري شياه سنان