تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
أربعا : عزا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنى بغير مال ، وأنسا بغير جماعة ، ثم شهق فلم يفق إلا بعد ثلاث ، فقال : انصرف عني بسلام ، قلت : أوصني ، قال : أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلا . وقال : بينما أنا أسير في جبال أنطاكية إذا بجارية كأنها مجنونة عليها جبة صوف ، فسلمت فردت وقالت : ذا النون ؟ قلت : كيف عرفتني ؟ قالت : بمعرفة حب الحبيب ، ثم قالت : ما السخاء ؟ قلت : البذل والعطاء ، قالت : هذا سخاء الدنيا فما سخاء الدين ؟ قلت : المسارعة إلى طاعة رب العالمين ، قالت : فإذا سارعت إلى طاعته ، فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا ، ويحك إني أريد أن أطلب منه شيئا منذ عشرين سنة ، فأستحي منه مخافة أن أكون كأجير السوء ، إذا عمل طلب الأجر ، لكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله ، وذهبت وتركتني . وقال : رأيت في تيه بني إسرائيل سوداء قد استلبها الوله من حب الرحمن ، شاخصة ببصرها نحو السماء ، فقلت : السلام عليك يا أختاه ، قالت : وعليك السلام يا ذا النون ، قلت : من أين عرفتني ؟ قالت : يا بطال ، إن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم أدارها حول العرش ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان ، قلت : أراك حكيمة فعلميني مما علمك اللّه ، قالت : يا أبا الفيض ضع على جوارحك ميزان القسط حتى يذوب كل ما كان لغير اللّه ويبقى القلب مصفى لا شيء فيه غيره ؛ فحينئذ يقيمك على الباب ويوليك ولاية جديدة ويأمر الخزان لك بالطاعة ، قلت : زيديني ، قالت : خذ من نفسك لنفسك وأطلع اللّه إذا خلوت يجيبك إذا دعوت والسلام .
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 265 | ابن عربي / عبد الحميد صالح حمدان