إذا تناهت به حاله تجفو عليه الأشياء ، فلا يقدر أن يعاشر جافيا ، ولا يناول الجافي من الطعام إلّا طيبا ولا يلبس إلّا ناعما ، ولا يضره أن يكون له شيء من الدنيا فإنه لا ينقص من حاله إذا بلغ هذا المبلغ هذه حالة تسلم لصاحبها ، ومقام الاختصاص غير مكنون عندنا ، وقد قال :
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 1 » ولكن مقام الحكيم أعلى من هذا وهو مقام محمد صلى اللّه عليه وسلم أكمل إنسان وألطفه معنى وأصفاه سرّا وأرقّه قلبا وأكمله حالا وأعلاه مقاما ، وكان يأكل الجافي ويحتمل الجافي لقوّة حاله ودقة لطافته واتساعه . والسليماني له مقام معلوم ورزق مقسوم فهذه حالة تسليم - رضي اللّه عن صاحبها - وسلك بنا عنها إلى المقام اللطيف الموروث المحمدي الشريف .
قال : وسمعته يقول : لمّا خلق اللّه العقل جعل فيه لطيفة فتلك اللطيفة تميلهم على كل جميل وإلى كل مستحسن في الشاهد .
صدق واللّه هذا الشيخ فيما قاله غير أنّ لهذا الاستحسان والميل ميزانا دقيقا روحانيا لطيفا إلهيا إن لم يكن صاحب هذه الحالة عالما قويّا في ذلك الميزان وإلّا هلك بملائمة الطبع ، ومناسبة الغرض في الجمال الغرضي الذي لا تعرف النّفوس العاميّة غيره ، فاحذر أيّها الإنسان الصّوفي من كلام هذا الشيخ فإنه سمّ مهلك لمن لم يعرف غوره ولا حيث ذهب به وما أصعب أن ينجو بها غيرك وتهلك أنت ، وذلك أنه راجع إلى فهمك ، فاللّه يعصمنا وإيّاكم ، ولولا ما وقع أكثر أهل زماننا في هذه
هامش
( 1 ) سورة ص ، الآية 39 .