تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩

ومنهم - رضي اللّه عنهم - واله عارف يرمي بالجنون لغلب الحال عليه لقيه بجبل اللّكام :

أخبرنا بعض مشائخنا قال : بلغنا عن ذي النون المصري قال : وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللكام ، فقصدته فلقيني جماعة من المتعبّدين فسألتهم عنه فقالوا : يا ذا النون تسأل عن المجانين ؟ فقلت : ما الذي رأيتم من جنونه ؟ قالوا : نراه في أكثر أوقاته هائما ساهيا يكلّم فلا يجيب ويتكلّم فلا تفقه ما يقول ، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي . فقلت في نفسي : ما أحسن أوصاف هذا المجنون . ثم قلت لهم : دلّوني عليه . فقالوا : إنه في الوادي الفلاني ، فانطلقت على الوادي فأشرفت على واد وعر ، فجعلت أنظر يمينا وشمالا ، فإذا أنا بصوت محزون شجّ من وجد قلبي وهو يقول :
يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواه أريد
تفنى الليالي والزمان بأسره * وهواك غضّ في الفؤاد جديد
قال ذو النون : فاتّبعت الصوت فإذا أنا بفتى حسن الوجه حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها ، نحيل قد اصفرّ واحترق وهو شبيه بالواله الحيران ، فسلّمت عليه فردّ السلام وبقي شاخصا يقول :
أعميت عيني عن الدنيا وزينتها * فأنت والرّوح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق * من أوّل الليل حتى مطلع الفلق
وما تسابقت الأجفان عن سنة * إلّا رأيتك بين الجفن والحدق