ثم قال : يا ذا النون : مالك وطلب المجانين ؟ قلت : أو مجنون أنت ؟
قال : قد سمّيت فيه . فقلت : مسألة ؟ . قال : سل . قلت : أخبرني ما الذي حبّب إليك الانفراد ، وقطعك عن المؤانسين وهيّمك في الأودية ؟ فقال : حبّي له هيّمني وشوقي إليه هيّجني ، ووجدي به أفردني . ثم قال :
يا ليت شعري يا فتى إلى متى * تتركني معلّقا في محنتي
فقلت له : أخبرني أين محلّ الحب منك وأين مسكن الشوق فيك ؟
فقال : مسكن الحب سواد القلب . قلت : فما الذي تجد في خلواتك ؟ قال :
الحق سبحانه وتعالى . قلت : كيف تجده ؟ قال : بحيث لا حيث . ثم قال : يا ذا النون أأعجبك كلام المجانين ؟ قلت : إي واللّه وأشجاني . ثم قلت له : ما صدق وحدانيتك للحق تعالى ؟ فصرخ صرخة ارتجّ لها الجبل ثم قال : يا ذا النون هذا موت الصّادقين ، ثم سقط إلى الأرض ميّتا ، فتحيّرت في أمري لا أدري ما أصنع به ، وإذا به قد غاب عنّي فلا أدري أين ذهب به . أنظر ما أحسن هذا الجواب على الوحدانية ، فإن حقيقتها ذهاب الكون عند التجلّي إليه من حيث هي ، فأجاب بالفناء الكلّي جواب حال ، ثم تمم ذلك بمغيب الجسد عن ذي النون ، فكان فناء بالكلية . ولقد أشرنا إلى هذه الحالة من جملة ما أشرنا إليه في قصيدة مكّيّة تحوي على أسرار فقلنا :
وإذا أردت تمتّعا بوجوده * قسّمت ما عندي على الغرماء
وعدمت من عيني فكان وجوده * فظهوره وقف على إخفائي
إني أعطيت كل جزء من الكون ما يناسبه منّي فتحللت حتى ما بقي إلّا السرّ الرّباني .