تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله ، فبينما أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النون فرأيته عليه جبّة صوف على ظهره مكتوب لا تباع ولا تشترى . وذو النون يتكلّم في علم الباطن فناداه سعدون : متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا ؟ فقال ذو النون : إذا اطّلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلّا حبّه لأنه الجليل العزيز . قال : فصرخ صرخة خرّ مغشيّا عليه ، ثم أفاق من غشيته وهو يقول :
ولا خير في شكوى على غير مشتكى * ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال : أستغفر اللّه غلب عليّ حبيبي ولا قوة إلّا باللّه العليّ العظيم ، ثم قال : يا أبا الفيض إنّ من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب ؟ قال : نعم . تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع . قال : يا أبا الفيض اشرح لي ذلك ؟ فقال : يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين ، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات ، فهم رهبان من الرّهابين وملوك في العباد وأمراء في الزّهاد للغيث الذي مطر في قلوبهم الولهة بالقدوم على اللّه عز وجلّ شوقا ، فليس فيهم من أنس لمخلوق ولا مسترزق من مرزوق ، فهم بين الملأ حقير ذليل وعند اللّه خطير جليل . قال : يا ذا النون فمتى أصل إليه ؟ فقال : يا سعدون صحّح العزم بطرح الأذى ، وسل الذي بسياسته تولّى . قال الفتح : فأدخل سعدون رأسه فيما بين الحلقة ، فما رأيته بعد . ومما يناسب هذا المقام ما حكى أن هارون الرشيد خرج حاجّا وحلف أن لا يحج إلّا ماشيا ، وكان قد تعب من المشي فبينما هو كذلك إذ بسعدون المجنون قد عارضه في الطريق ، وأنشأ يقول :