هب الدنيا تؤاتيكا * أليس الموت يأتيكا ؟
فما تصنع بالدنيا * وظلّ الميل يكفيكا ؟
ألايا طالب الدنيا * دع الدنيا لشانيكا
كما أضحكك الدّهر * كذاك الدهر يبكيكا
قال : فشهق هارون الرشيد وأغشى عليه حتى فاتته ثلاث صلوات ، فلمّا أفاق طلب سعدون فلم يجده - رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم آمين .
ومنهم - رضي اللّه عنهم - الواله في حب اللّه شيبان المصاب ، لقيه بجبل لبنان فمات :
أخبرنا بالإسناد عن محمد بن أحمد بن سلمة حدّثني سالم قال :
بينا أنا سائر مع ذي النون في جبل لبنان ، إذ قال لي : مكانك يا سالم حتى أعود إليك . فغاب عنّي في الجبل ثلاثة أيام وأنا أنتظره ، إذ هاجت عليّ النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من ماء الغدارن ، فلمّا كان بعد الثالث رجع إليّ متغيّر اللون ذاهب العقل فقلت له بعد ما رجعت إليه نفسه : يا أبا الفيض : أسبع عارضك ؟ فقال : لا دعني من تخويف البشريّة إنّي دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل ، فرأيت رجلا أبيض الرأس واللحيّة أشعث أغبر نحيفا نحيلا كأنما أخرج من قبره ذا منظر مهول وهو يصلّي ، فسلّمت عليه بعد ما سلّم ، فردّ عليّ السّلام وقام إلى الصلاة ، فما زال راكعا وساجدا حتى صلّى العصر واستند إلى حجر بحذاء المحراب يسبّح ولا يكلّمني ، فبدأته بالكلام فقلت له : رحمك اللّه